تشهد الأسواق اللبنانية في الآونة الأخيرة موجة غير مسبوقة من ارتفاع أسعار البندورة، إذ تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد عتبة الـ300 ألف ليرة في بعض المناطق، ما أثار موجة واسعة من الاستغراب والاستياء لدى المستهلكين.
ويأتي هذا الارتفاع في ظل واقع اقتصادي متقلّب وأزمات متشابكة تطال مختلف القطاعات الإنتاجية في البلاد، وفي مقدّمها الزراعة التي تعاني من تراجع مستمر في الإنتاج المحلي وازدياد الاعتماد على الاستيراد الموسمي.
ويُجمع خبراء الزراعة والاقتصاد على أن هذا الارتفاع الحاد لا يرتبط فقط بزيادة الطلب أو بعوامل ظرفية، بل يعكس اختلالاً هيكلياً في الدورة الزراعية للبندورة في لبنان. فبعد موسم صيفي شهد تدنياً كبيراً في الأسعار إلى مستويات لم تغطِّ كلفة الإنتاج، عزف عدد كبير من المزارعين عن إعادة الزراعة أو عمدوا إلى إتلاف محاصيلهم، ما أدى إلى تراجع المعروض بشكل حاد خلال الأشهر اللاحقة. كما ساهم انتقال الإنتاج إلى البيوت البلاستيكية والمناطق المرتفعة نسبياً في تقليص الكميات المتوفرة ورفع الكلفة التشغيلية، في حين لعبت تقلبات الطقس وارتفاع أسعار الأسمدة والنقل دوراً إضافياً في تأجيج الأسعار.
وتشير المعطيات إلى أن الأسواق قد تشهد انفراجاً نسبياً مع نهاية الشهر الجاري، مع بدء دخول إنتاج المناطق الساحلية والبيوت البلاستيكية الكبرى إلى دورة التسويق. غير أن هذه الأزمة أعادت تسليط الضوء على هشاشة القطاع الزراعي اللبناني وضرورة اعتماد سياسات دعم مستدامة توازن بين حماية المزارع وضبط الأسعار للمستهلك، خصوصاً في ما يتعلق بالمنتجات الأساسية التي تشكّل ركناً من أركان الأمن الغذائي الوطني.
ترشيشي: فتح طريق التصدير نحو الخليج هو “التعويض الحقيقي” للمزارع
اعتبر رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين في لبنان، إبراهيم ترشيشي، في حديث لموقع “لبنان الكبير” أن سنة 2025 كانت من أصعب السنوات التي مرّ بها القطاع الزراعي، “سنة أرض وخسائر”، كما وصفها، نتيجة شحّ الأمطار، وارتفاع الكلفة، إضافة إلى تداعيات الحرب الإسرائيلية والاعتداءات المتكرّرة على المزارعين والأراضي الزراعية، ولا سيّما في الجنوب والبقاع.
وقال ترشيشي إن نسبة المتساقطات حتى مطلع تشرين الثاني “أقلّ بكثير من المعدّل السنوي”، مشيراً إلى أن “تشرين الأول مرّ تقريباً من دون أي أمطار تُذكر، باستثناء بعض المناطق التي شهدت رذاذاً خفيفاً لا يكفي لريّ الأرض”. وأوضح أن “المزارع اللبناني لم يعد قادراً على المغامرة بزراعة مساحات واسعة، لأن كلفة الإنتاج أصبحت مرتفعة جداً، والمياه شحيحة، والمردود لا يغطي التكاليف”، مضيفاً أن “كثيراً من المحاصيل تضررت العام الماضي وتعرّضت للتلف بسبب قلّة المياه وارتفاع الأسعار”.
وأكد أن “غياب السياسة الزراعية الواضحة من قبل الدولة جعل المزارع يواجه مصيره وحيداً، من دون أي تعويض أو دعم فعلي”، معتبراً أن “أفضل تعويض للمزارع اللبناني هو فتح الطريق البرّي عبر الأراضي السورية نحو دول الخليج، لأن هذا المنفذ إذا أُعيد تفعيله سيعيد الحياة إلى الزراعة اللبنانية، ويمنح المزارع فرصة لتسويق إنتاجه وتحسين دخله”.
وحذّر ترشيشي من أن استمرار إغلاق هذا المعبر البري “يعني موتاً بطيئاً للزراعة في لبنان”، مضيفاً: “القطاع الزراعي يمرض يوماً بعد يوم، ولا أحد يعلم متى تأتي الضربة القاضية”.
ودعا رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين المزارعين إلى الصبر والمتابعة في هذه المرحلة رغم الظروف الصعبة، قائلاً: “لا يجوز أن نفقد الأمل. الأمطار بيد الله، ولا يمكن التنبؤ بها بشكل دقيق. كل التوقعات المناخية تتبدّل من أسبوع إلى آخر، لذلك نأمل أن تتحسن الأحوال الجوية في الفترة المقبلة”.
وأشار ترشيشي إلى أن “الاعتماد على الإنتاج المحلي ما زال ممكناً رغم كل التحديات”، مضيفاً أن “ارتفاع أسعار الخضار في الفترة الأخيرة، ولا سيّما البندورة، أعاد بعض الأمل للمزارعين الذين خسروا محاصيلهم سابقاً”.
وتابع: “اليوم، المزارع اللبناني متمسك بأرضه رغم الصعوبات. لم يقرر الهجرة، ولا يزال يزرع ويكافح من أجل البقاء. وهذا أمر نفتخر به، لأن المزارع اللبناني لا يزال رمز الصمود الحقيقي”.
كما شكر ترشيشي وزير الزراعة على قراره القاضي بتنظيم عملية الاستيراد، قائلاً: “هذا القرار أنقذ المزارع من منافسة غير عادلة. نحن لسنا ضد الاستيراد بالمطلق، لكن يجب أن يتم فقط عند الحاجة الفعلية، حتى لا تتكدّس المنتجات المحلية ويخسر المزارع تعبه”.


