طرابلس تُواجه ابتلاء “أمطار النّفايات” وتستذكر ماضيها!

إسراء ديب

تكشف المنخفضات الجوّية التي تضرب طرابلس هذه المرّة عن تقصير المواطنين، وليس الدّولة وحدها، تجاه مدينتهم، حيث لم تستقبل بعض الأحياء الطرابلسية، وعلى رأسها تلك التي تضمّ البسطات، مثل التبانة ومحيط نهر أبو علي، منخفضًا جويًا اعتياديًا، بل استقبلت “أمطار النّفايات” التي تُؤكّد تفاقم ظاهرة انتشار القمامة في الشوارع، وتأثيرها الواضح عند هطول الأمطار وهبوب الرياح القويّة التي سمحت بتطاير الغبار والنّفايات بيْن الطرق والسيّارات وصولًا إلى النّهر.

وخلال جولةٍ ميدانية لـ “لبنان الكبير” في المنطقة التي تنتشر فيها بسطات بيع الخضار والفاكهة وحتّى الأسماك، شهدنا اللحظات الأولى لهطول الأمطار وعصف الرياح التي أدّت إلى تطاير الأكياس والنّفايات في كلّ أنحاء المنطقة، عدا عن المشهد المأساوي للخضروات المرميّة في كلّ زاوية، واختلاط عصارتها السامّة بمياه الأمطار التي بدت كنقمة على المنطقة التي تُسجّل في كلّ أيّام الأسبوع ازدحامًا شديدًا بسبب هذه البسطات ولجوء المواطنين إليها نظرًا لطبيعة المنطقة التجارية وقربها من جميع الزبائن والتجار.

ويُلاحظ المارّة رمي بعض أصحاب البسطات نفاياته وخضرواته حول الحاويات المخصّصة لها، بدلًا من وضعها بداخلها، كما يرصد آخرون عودة هؤلاء إلى “عادتهم القديمة” المتمثّلة في إلقاء نفاياتهم مباشرة في نهر أبو علي الملوّث أساسًا، والذي قامت البلدية بالتعاون مع شركة “لافاجيت” منذ فترة بتنظيفه. واللافت هذه المرّة، انتشار عشرات الكلاب الشاردة فيه، والتي واجهت صعوبة كبيرة في خروجها منه بعد دخولها إليْه، ما يجعلها تعتمد على هذه النّفايات كمصدر لغذائها، وفي الوقت عيْنه، تتعرّض هذه الكلاب للكسور والجروح المختلفة بسبب الأرضية المتكسّرة في بعض أجزاء النّهر، ممّا يُؤذي هذه الكائنات أوّلًا، ويتسبّب في تجمّع النّفايات فيها أو حولها ثانيًا.

يُمكن التأكيد، أنّ هذه المنطقة تحديدًا، التي تصطف فيها البسطات أو تتجمّع حولها، تحمل رمزية تاريخية بالنسبّة إلى الطرابلسيين خصوصًا من أبناء التبانة، فهي شهدت حروبًا وواجهت “القنّاصات” الموجّهة ضدّها من النّظام السوريّ أو من جبل محسن حينها (الذي يقع مقابل المنطقة)، هذا عسكريًا، أمّا تجاريًا، فتحمل المنطقة أهمّية اقتصادية لا تخفى على أحد، لكنّها لم تكن عشوائية أو غير منظمة كما هي عليه اليوم. ففي السابق، كانت تضمّ محلّات تجارية منظمة، منها سوق الخضار التي كانت تُنظّف وتُشطف يوميًا، محلات للأسماك، المخلوطة والسكاكر، مكتبة، محلّات لتصليح مواقد الغاز (البور)، الحديد، الخشب، وبعض محلات البالة المستوردة، وكانت تتميّز المنطقة بوجود دور السينما فيها بالقرب من تلك المحلّات، منها “الفردوس”، “بيبلوس” و”الدّنيا”، وذلك وفقًا لشهادة أكّدها كبار السنّ وأبناء المدينة لـ “لبنان الكبير”، وأفاد أحدهم، الذي كان والده تاجرًا كبيرًا في سوق الخضار، بأنّه كان يشرب الماء من النّهر مباشرة في ذلك الوقت، ممّا يختلف تمامًا عن واقعه اليوم أو واقع المنطقة كلّها والتي تحوّلت من منظمة إلى عشوائية.

من هنا، ينتظر الكثير من الأهالي إنجاز مشروع “تجديد وإحياء مجرى نهر أبو علي” الذي أُطلق أخيرًا وسيُنفّذ بالتعاون بيْن بلدية طرابلس ونقابة المهندسين والمعماريين في طرابلس والشمال، وقد أعلن رئيس البلدية عبد الحميد كريمة، منذ أيّام، عن خطّة تشمل إصلاح واجهات النّهر، تزيين جدرانه، إزالة البسطات المخالفة، بالإضافة إلى دراسة إنشاء مساحات رياضية على سطحه. لكن في المقابل، يُؤكّد عدد من الطرابلسيين، أنّ الذكريات الجميلة ذهبت بلا عودة مع موت أصحابها وتدهور أوضاع النّاس بفعل الأزمات الاقتصادية وتبدّل حال المواطن اليوم من البركة إلى “جذب الشفقة” لينظر المعنيّون إليه بعيْن الاهتمام.

واليوم، تستذكر إحدى السيّدات القاطنات قرب النّهر، في حديثٍ لـ “لبنان الكبير” سوق الخضار القديمة التي كانت موجودة في التبانة ونُقلت منذ فترة، وتقول: “لا مجال للعودة إلى الوراء، ولكن الباعة المتجوّلين الذين لا يُجدي معهم أيّ إنذار بلديّ، ويعودون مسرعين إلى أعمالهم دون تدارك العواقب، لا يتحمّلون مسؤولية ما يحدث في منطقتنا، خصوصًا أنّ معظمهم ليسوا لبنانيين، والتالي، نعاني بشدّة عند هطول أيّ قطرة مطر أو هبوب رياح قويّة، لأنّنا سنتأكّد كالعادة من حجم التلوّث وتطاير الأوساخ التي تُشبه إلى حدّ كبير العاصفة الصحراوية وما يُصاحبها من غبارٍ متطاير، والمشهد عينه يتكرّر معنا كثيرًا، ولو قام كلّ شخص بإزالة نفاياته وتنظيف محيطه جيّدًا، لما وصلنا إلى هذا الحدّ”.

سيّدة أُخرى من منطقة القبّة، تشتري كلّ أحد من هذه البسطات، تُؤكّد أهمّيتها، لكنّها في الوقت عيْنه، تتمنّى نقلها إلى مكانٍ استراتيجيّ آخر يجمعها، يكون قريبًا من الجميع، وتُفرض عليه معايير النّظافة. وتقول لـ “لبنان الكبير”: “أصل إلى هنا بسيارتي التي أركنها على رصيف النّهر وأقطع مسافة تصل إلى خمس دقائق سيرًا على الأقدام، لكنّني لا أستغني عن البسطات التي تُوفّر لي البضائع بأسعار أقلّ، وأكره بشدّة قطع أرزاقها، لكن لا أُخفي قذارة هذه الطريق ودعوتي أصحاب هذه البسطات لتسوية أوضاعهم بالقانون والمساهمة في التنظيف بدلًا من رميّ المخلّفات في النّهر أو على الأرض”.

شارك المقال