إجراءات وتدابير أمنيّة في مخيّم البدّاوي تخنق الفلسطينيين واللبنانيين!

إسراء ديب

يعيش مخيّم البدّاوي في طرابلس حالة أمنية واقتصادية صعبة تعكس حجم الضغوطات التي يُواجهها أخيرًا. ويُمكن اختصار هذه الحال في ثلاث حوادث رئيسة: الأولى مرتبطة بمقتل الشاب محمّد عبد الله زيد منذ أيّام وردّ فعل عائلته، أمّا الثانية، فتتعلّق باستمرار إغلاق معابر ومنافذ المخيّم، ممّا أدّى إلى فصله أو عزله تلقائيًا عن محيطه، بينما تكمن الحادثة الثالثة في تقليصات خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) التي فرضت إجراءات تشمل الخصومات، الفصل والتقليصات التي تجاوزت نسبة 20 بالمائة. وبالتالي، تُمثّل هذه الأحداث، “الهمّ” الأبرز في المخيّم الذي يستقطب الكثير من الزبائن والزوّار.

وفي الحادثة الأولى التي وقعت في 12 كانون الثاني الجاري، قُتل الشاب زيد في حادثةٍ نُسبت إلى قوّات الأمن الوطني أثناء محاولة توقيفه لوجود دعاوى ومذكّرات توقيف بحقّه، وطالبت عائلته بتسليم المتورّطين أو الضالعين في مقتل ابنها إلى السلطات اللبنانية، وتعهّد ذوو الفقيد بتنفيذ تحرّكات تصعيدية، كان آخرها إغلاق الشارع الرئيسيّ في المخيّم وتنفيذ اعتصام أمام محطّة سرحان، احتجاجًا على عدم تلبية مطلبها، معلنة استمرارها في تنفيذ إضراب مفتوح إلى حين تسليم الجناة للقضاء اللبناني، وذلك بسبب عدم حصول أية مستجدات حول القضية التي أحدثت توترات حساسة.

ويُعلّق مصدرٌ فلسطينيّ من المخيّم على هذا الاعتصام الذي أدّى إلى إغلاق المدارس والروضات وكذلك المدارس التابعة للأونروا (مع استمرار فتح عيادة الأونروا للحالات الطارئة فقط بيْن الساعتين 7 و10 صباحًا)، قائلًا: “تُطالب العائلة السلطة الفلسطينية بتسليم المتورّطين، ولكن حسب معلوماتنا، لم يتواصل معها أحد من الطرف الفلسطيني أو اللبناني، فيما تُشير المعطيات، إلى أنّ قائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني في الوطن والشتات اللواء بحري العبد إبراهيم خليل، سيزور المخيّم يوم الجمعة المقبل لوضع آلية تسليم المطلوبين أو إيجاد حلّ للمشكلة”.

ويُضيف المصدر لـ “لبنان الكبير”: “على الأرجح، سنصل إلى تسويةٍ أو تفاهم لعائلة زيد التي غادرت المخيّم إلى حين انتهاء تحقيقات الأمن الوطني وتسليم المتورّطين وذلك بالتنسيق مع مخابرات الجيش”.

ويرى المصدر المُتابع لهذا الملف، أنّ الأمن في المخيّم خطّ أحمر بالنّسبة للجميع، لكن طريقة قتل زيد أو تصفيته كانت صعبة للغاية “حيث أُصيب بـ 27 طلقة نارية في جسده، ونحن ننتظر نتيجة التحقيقات”.

أمّا الحادثة الثانية، فتُعدّ الأصعب وفق ما يُؤكّد سكان المخيّم والمنطقة المجاورة له، حيث يرى العديد من سكّان منطقة وادي النّحلة في طرابلس، الملاصقة تمامًا لمخيّم البدّاوي، أنّ الإجراءات الأمنية التي فرضها الجيش اللبناني والمتمثّلة في إغلاق المعابر أو المداخل غير الشرعية المحيطة بالمخيّم خلال الأشهر الأخيرة، باتت خانقة ولا تتناسب مع واقعهم الاقتصادي والحياتي اليومي، خصوصًا أنّهم اعتادوا دخول المخيّم بسهولةٍ تامّة ودون قيود على مدى سنوات طويلة.

وتقول إحدى السيّدات اللبنانيات المُقيمات في المنطقة وتعمل في إحدى روضات المخيّم لـ “لبنان الكبير”: “كنت أحتاج إلى أقلّ من دقيقة للدخول إلى المخيّم الذي يقع مقابل بيتي، ولكن اليوم بعد إغلاق الجيش مدخل المخيّم بجدار، اضطّر يوميًا إلى المشي لأكثر من ربع ساعة لأصل إلى الروضة. وفي كلّ يوم أعيش حالة من الغضب لأنّ البقالة القريبة منّا حتّى، كانت تقع عند مدخل المخيّم من جهتنا، أمّا الآن، إنْ احتجنا لأيّ شي، نطلبه منهم من وراء الجدار، ليرموا ما نحتاجه فوقه حتّى يصل إلينا. وباختصار، إنّه واقع غير مناسب لنا على الإطلاق”.

على الصعيد السياسي، استقبل مسؤول المؤتمر الشعبي اللبناني في طرابلس عبد الناصر المصري وفدًا قياديًا من حركة فتح منذ ساعات، وتداول المجتمعون في الشؤون الفلسطينية، وأكّدوا في بيان “ضرورة تخفيف الإجراءات الأمنية حول مخيّم البدّاوي، وتسهيل حركة الناس، مع الالتفات لمطالب أبناء المخيّمات الإنمائية منها والاجتماعية”.

ولكن على الصعيد السياسيّ “الخفي”، تُجمع المصادر من المخيّم على خطورة استمرار هذا الإجراء الرسميّ، مؤكّدة لـ “لبنان الكبير” أنّ الاستياء تصاعد بسبب تأثير هذه الخطوة في الوضع الاقتصاديّ نتيجة إغلاق المعابر بين المخيّم ووادي النّحلة وجبل البدّاوي.

ويُوضح أحد المصادر حالة الامتعاض قائلًا: “خنقنا هذا الإجراء، وخنق اللبنانيين الذين يدرس الكثير من أبنائهم في روضاتنا والكثير من معلّمات الروضات لبنانيات، والرحلة التي كانت تستغرق دقيقتيْن أصبحت تتطلّب ربع ساعة “وعبور لفة طويلة عريضة” للوصول، ولقد أعلن بعضنا منذ أيّام، أنّنا موافقون على الإغلاق إذا كان قادرًا على وقف التهريب غير الشرعي بيْن سوريا ولبنان، أو التهريب الجويّ عبر مطار رفيق الحريري، أو البحريّ عبر المرفأيْن، وكذلك الجرائم التي أسفرت عن سقوط 38 قتيلًا خلال رمضان الماضي في طرابلس، ولم يخرج منها أيّ طلقة من جهتنا، ولكنّ المخيّم لم يرتكب جريمة ليُعاقب عليها بهذه الطريقة، من هنا، نأمل أنْ يتراجع المعنيّون عن هذه الخطوة وينظروا إلى وضعنا ووضع جيراننا أيضًا”.

شارك المقال