أثارت إحدى الصفحات الطرابلسيّة على مواقع التواصل الاجتماعي منذ أيّام، قضيّة استمرار إغلاق حدائق المدينة في وجه المواطنين الذين يُحرمون وأطفالهم من المتنفّس الترفيهيّ الوحيد المتاح لهم في ظلّ غياب أيّ مساحات أو مشاريع أُخرى “ممتعة” في المدينة التي عانت بوضوح من الحُرمان الذي يُحوّل لقبها تدريجيًا من طرابلس “الفيحاء” إلى المدينة “المكتظة” والتي لا تُتيح لسكّانها فرصة الترفيه إلّا عبر ارتياد المقاهي والمطاعم باهظة الثمن.
ومع اقتراب فصل الصيف من جهة، والارتفاع الجنونيّ في أسعار المقاهي والمطاعم من جهة ثانية، نجح التساؤل الذي طرحته الصفحة حول أسباب إغلاق الحدائق أو تقييد أوقات عملها (أوقات محدّدة) في دفع مئات المواطنين للتعبير عن استيائهم من هذا الوضع، لا سيّما في ظلّ غياب أيّ توضيح رسميّ يُفسّر دواعي هذا الإجراء.
ويُطالب أبناء المدينة، خصوصًا مع الظروف المعيشية القاسية، بفتح الحدائق العامّة، التي تُعدّ محدودة مقارنة بمساحة المدينة وكثافتها السكّانية، كما يُشدّدون على ضرورة فرض الرّقابة الصارمة عليها لمنع تحويلها إلى “أوكار” لمتعاطي المخدّرات وحاملي الأسلحة، ولضمان عدم استغلال هذه الملكية العامّة لأغراض شخصية.
وفي هذا السياق، يُشير العديد من المواطنين إلى حديقة القبّة التي حُرموا من الانتفاع بها نتيجة سيطرة أحد الأشخاص وأبنائه عليها واستغلالها لمصالحهم الخاصّة. وفي المقابل، يرى آخرون أنّ من تولّى إدارتها قد أحياها، حيث أنشأ فيها كافيتريا وحماها من الفوضى وتجّار الممنوعات دون فرض رسوم دخول، وذلك خلافًا لحدائق أُخرى تفتقر تمامًا إلى أيّ شكل من أشكال الرقابة.
وللاستفسار عن تفاصيل هذا الموضوع، تواصل “لبنان الكبير” مع المهندس سامر خلف، وهو رئيس لجنة الحدائق والوسطيات في بلدية طرابلس (التي تعقد لقاءات دورية مكثّفة خلال الفترة الأخيرة لبحث سبل تطوير الحدائق وجذب المشاريع إليْها، وذلك بالتشاور مع مختلف الفعاليات السياسية والاجتماعية في المدينة).
ويُوضح خلف في حديثه، أنّ اللجنة لا تكتفي بتقديم مقترحات للسياسيين فحسب، بل تتواصل مع كلّ جهة قادرة على المساعدة أو المساهمة في تمويل المرافق الحيوية في المدينة بالتنسيق معها، لا سيّما في ظلّ محدودية إمكانيات البلدية، مضيفًا: “نعمل حاليًا على مشاريع عديدة قابلة للتبنّي، تهدف إلى تحسين المشهد الجماليّ في المدينة وتوفير متنفس للمواطنين”.
وتوضيحًا لمسألة إغلاق الحدائق، يقول خلف: “عندما تسلّمنا مهامنا في البلدية، قدّمنا طلبات عدّة لرئيسها عبد الحميد كريمة لإعادة افتتاح الحدائق المغلقة فعليًا منذ العام 2019، وهو ما تسبّب في مشاكل اقتصادية ومعيشية كثيرة، منها تقاعس بعض الموظفين عن أداء مهامه. واليوم، تعمل هذه الحدائق وفق دوام عمل رسميّ، يُفترض أنْ يُقسم إلى فترتيْن، إلا أنّ الموظفين يلتزمون فقط بفترة واحدة، ويتوقّفون عن العمل يوميّ السبت والأحد، وهما اليومان اللذان يرتاد فيهما الأهالي الحدائق”.
وعن الحلول المقترحة، يُتابع خلف: “نظرًا لحرص رئيس البلدية على افتتاح الحدائق وبحثه معنا عن الآلية الأنسب، فكّرنا بحلول بديلة منها:
– فتح الحدائق يوميّ السبت والأحد وإغلاقها يوميّ الاثنين والثلاثاء، لكنّه اقتراح يُخالف القانون.
– مُحاكاة تجارب بلديات ناجحة في هذا الموضوع، كبلدية بيروت، التي اعتمدت نظام الحوكمة، عبر التعاقد مع شركة خاصّة، نراقب أداءها ونحاسبها على أيّ تقصير، وعلى الرّغم من أنّ هذا الخيار مكلف، إلا أنّه يُغنينا عن الموظفين غير المسؤولين، والمحسوبيات السياسية التي تُوظّفهم، إضافة إلى كونه يحدّ من الهدر ويضمن سير العمل بمسؤولية.
– إعداد دفتر شروط لاستثمار الحدائق وطرحها للإشغال كأملاك عامّة، وذلك من خلال استدراج عروض وفقًا لقانون الشراء العام.
– منح العمّال أجورًا إضافية (أوفر تايم)، ولكن التساؤل هنا: ما الضمانة بأنّهم سيقومون بمهامهم على أكمل وجه؟
بناء على ذلك، وفي جميع الأحوال، يرى خلف أنّ المسؤولية في العمل لا تقتصر على كيفية فتح الحدائق فحسب، بل بكيفية مراقبتها باستمرار “وهنا يأتي دور الهيئة الرّقابية في البلدية، التي عليها الاضطّلاع بمسؤوليتها لضمان نجاح أيّ مشروع في هذه المدينة التي تستحقّ الكثير”.
إلى ذلك، تقدّم عضو مجلس البلدية إبراهيم العبيد منذ يوميْن، بطلب إلى رئيس البلدية، لفتح الحدائق يوميّ السبت والأحد، مطالبًا إيّاه باتخاذ الإجراءات اللازمة، ومعتبرًا أنّ هذه الخطوة المهمّة “تُعيد الحياة إلى المرافق العامّة وتمنح أطفال المدينة مساحة للفرح واللعب، في وقتٍ باتت فيه الحاجة كبيرة إلى أماكن تحتضن العائلات وتُخفّف عنهم أعباء الحياة اليومية”.


