زمن فوضى الكلام

السيد محمد علي الحسيني

إننا نعيش في زمن أصبح الكلام فيه سفسطائياً، الجدال لأجل الجدال يتصدر منصات مواقع التواصل بمختلف أنواعها، يتم خلالها صب معلومات من دون علم أو إدراك لمعانيها وجوهرها، وفي هذا الزمن تحديداً يصدق وصفه بـ”زمن الرويبضة”، وهو وصف لنبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وصحبه الأخيار) كتعبير عميق يعكس حقيقة ما نعيشه اليوم من اعتلاء أصوات الجهل المقنع بثوب المعرفة منابر العلم ونشرها للمفاهيم المغلوطة، بحيث قال عليه وعلى آله السلام: “سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة”.

خطر الرويبضة على المجتمعات وأمنها

إن زمن الرويبضة، كما ورد في الأحاديث النبوية، يصف فترة من الزمن يتصدر فيها الأشخاص غير المخولين وغير المؤهلين مواقع النفوذ والكلام في المجتمع، فيصبح الجاهل مرجعاً والعالم مهمشاً، يشهد هذا الزمن تفشي آفة الكلام بلا علم والتطاول على قضايا تفوق طاقة الفهم العام، ما ينذر بخطورة على القيم والمبادئ الأساسية للمجتمع، وكم رأينا من قنوات متعددة فتحت منابرها لمثل هؤلاء ليس لمدامغة الباطل، بل على العكس من ذلك تماماً، حتى يتم تعتيم الحق وجعل الأمور أكثر ضبابية، ليتمكن أولئك المرجفون من السيطرة والتحكم بالمجتمعات وتوجيهها.

إن أهمية الحديث النبوي المذكور في تحديد الظاهرة يرسخ أهمية العلم وضرورة توخي الحذر من الانجراف خلف الأقوال والأفعال التي لا تستند إلى علم صحيح، في الحديث نجد تذكيراً صارخاً بأن زمن الرويبضة هو اختبار للعقول والقلوب، وفيه دعوة للمؤمنين إلى التبصر والتفكير العميق قبل إطلاق الأحكام أو نسج الآراء التي من شأنها زعزعة الفكر وضرب مقومات العقيدة بل وتفجير أمن المجتمعات واستقرارها، كما القرآن الكريم بآياته البيّنة، لم يحذر من خطورة الكلام بلا علم فحسب، بل دعا إلى ضرورة التحلي بالحكمة في القول والفعل: “ولا تقف ما ليس لك به علم”، آية تعكس عمق الرسالة الإسلامية في تأكيد أهمية المعرفة والتثبت قبل الإقدام على الحديث حول موضوع ما، للحيلولة دون السقوط في فخ الجهل والتضليل.

ضرررة مواجهة الرويبضة

إننا في زماننا هذا نأسف لانتشار ظاهرة “زمن الرويبضة” وتصدرها خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي المتنوعة ومنابر النقاش العامة، بحيث أصبح كل من هب ودب متكلماً يدعي العلم، وقليل من يعي ما يقول، ونجد أشخاصاً يصدرون أحكاماً في قضايا معقدة وحساسة من دون علم كافٍ أو تفكير عميق، ما يولد بيئة مشحونة بالمعلومات المغلوطة والأفكار الهدامة، تستدعي ضرورة التحرك لمواجهتها على مختلف المستويات. فمواجهة ظاهرة “زمن الرويبضة” تتطلب جهداً جماعياً يشمل تعزيز ثقافة العلم والمعرفة وتوجيه الناشئة نحو احترام الحقائق والتأني قبل إصدار الأحكام، اتباعاً لقوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”. وهنا يلعب العلماء والمثقفون دوراً بالغ الأهمية في تصحيح المفاهيم وبناء جسور الحوار القائم على العلم والمعرفة الصحيحة، لبناء مجتمع يقدّر العقل ويحتفي بالمعرفة.

إن زمن الرويبضة، بما يحمله من تحديات، يفرض علينا ضرورة اليقظة والتمسك بمبادئ العلم والتثبت في المعلومات قبل تداولها، بتبنينا لمنهجية التفكير النقدي والسعي وراء العلم الصحيح، يمكننا التصدي لهذه الظاهرة وضمان مستقبل مشرق يسوده العقل والمنطق.

شارك المقال