في بلد يعاني قطاع الانترنت والاتصالات فيه مشكلات “حدّث ولا حرج”، لا تزال المحاولات في مجال الذكاء الاصطناعي قائمة وإن كانت محدودة ومحصورة بالقطاع الخاص. إذ أعلنت شركة “كومن” لوساطة التأمين العالمية إطلاق أكاديمية للريادة لتدريب الطلاب على فن التواصل والذكاء الاصطناعي في لبنان. وجاء الاعلان عن الأكاديمية خلال حفل تكريم للطلاب المتفوقين في كلية إدارة الأعمال في جامعة القديس يوسف في بيروت. وتهدف الأكاديمية إلى إنشاء برنامج تدريبي كامل للطلاب بحيث يخضعون لدروس في العلاقات العامة والاعلام وفن التواصل والذكاء الاصطناعي ومدخل إلى عالم التأمين، على أن يشارك في إعطاء الدروس والدورات خبراء في مجالات العلاقات العامة إلى الاعلام والتواصل.
أين لبنان من الذكاء الاصطناعي؟
صنّف مؤشر جهوزية الحكومة للذكاء الاصطناعي للعام 2023، لبنان في المرتبة 76 بين 193 بلداً في العالم، وفي المركز السابع بين 53 دولة ذات الدخل المتوسّط الأدنى، وفي المرتبة التاسعة بين 20 دولة عربية. ويقوم المؤشر بتقييم جهوزية الحكومات لاستعمال الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات العامة لمواطنيها. ويتألف من 39 عاملاً ضمن 10 ركائز فرعيّة يتمّ تجميعها في ثلاثة مؤشرات فرعية هي “ركائز الحكومة”، “قطاع التكنولوجيا” و”البيانات والبنية التحتية”. ونتيجة كل بلد على المؤشر هي متوسّط مرجّح للنقاط على المؤشرات الفرعية. ويصّنف المؤشر مستوى جهوزية الحكومة للذكاء الاصطناعي في كل بلد على سلّم يتراوح من الصفر إلى الـ100، بحيث تعكس النتيجة الأخيرة أعلى مستوى من الجهوزية.
أما على صعيد المناهج الدراسية التي قد تفتح المجال أمام عالم الذكاء الاصطناعي والروبوتات وغيرها من المجالات، فلم يشهد لبنان تعديلاً للمناهج منذ العام 1997. وعلى الرغم من الحديث عن خطط لتعديل المناهج خلال 3 سنوات، لا تزال المخاوف من زجّ المناهج في “الخبصة السياسيّة” وعدم وجود توافق سياسي عليها قائمة. أمّا على صعيد الجامعات، ففي لبنان جامعتان فقط تقدّمان تخصّص الذكاء الاصطناعي بينهما الجامعة الأميركيّة في بيروت. إلاّ أنّ هذه المادّة متوافرة لصفوف الماستر فقط، وبالتالي لا تزال الخطوات بطيئة في هذا المجال.
لا مواكبة للتطور في لبنان
يشير الخبير في التحول الرقمي وأمن المعلومات رولاند أبي نجم في حديثه لموقع “لبنان الكبير” الى عدم قدرة القطاع العام في لبنان على مواكبة التطور في مجال الذكاء الاصطناعي في ظل غياب الارادة السياسية والاستثمارات إضافة الى الفساد. أما في ما يخص القطاع الخاص فيلفت إلى محاولة الشركات الخاصة مواكبة الواقع الجديد، ولكن محاولاتها تصطدم بغياب البنى التحتية اللازمة على صعيد الاتصالات والانترنت.
إهتمام عربي متزايد بالذكاء الاصطناعي
في المقابل، تبرز دول الخليج وعلى رأسها الامارات العربيّة المتحدة والمملكة العربيّة السعوديّة في السباق الى قيادة قطاع الذكاء الاصطناعي حول العالم. وكشف تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” عن خطط الحكومة السعودية لإنشاء صندوق بقيمة 40 مليار دولار، لدعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، لتتجاوز بذلك المبالغ المعتادة التي تجمعها شركات رأس المال الاستثماري الأميركية. وستصبح ثاني أكبر مستثمر بالعالم في الشركات الناشئة بعد شركة “سوفت بنك غروب” اليابانية، والتي كانت لسنوات طويلة أكبر مستثمر في هذا المجال.
وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز مكانة المملكة كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي، وجذب أفضل المواهب، والشركات الناشئة في هذا المجال، فضلاً عن دعم جهودها لتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط. كما تُعد جزءاً من رؤية السعودية 2030 التي تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز إقليمي وعالمي رائد في مختلف المجالات، بما في ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي.
مستقبل العالم أم تحدٍ يواجه البشر؟
شهدت السنوات الأخيرة، قفزات نوعية في مجالات التعلم الآلي والتعلم العميق، ما أتاح لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحسين أدائها بصورة مستمرة. وتعتمد هذه الأنظمة على تحليل كميات ضخمة من البيانات لاستخلاص الأنماط والتنبؤات، ما جعلها أدوات فاعلة في مجالات متعددة مثل الرعاية الصحية، التعليم المخصص والصناعة والاقتصاد. ولكن تبرز في المقابل تحديات جادة ستواجه ثورة الذكاء الاصطناعي من بينها القلق بشأن الخصوصية والأمن، إذ يعتمد الذكاء الاصطناعي على كميات كبيرة من البيانات الشخصية. وهناك أيضاً مخاوف بشأن فقدان الوظائف والاستغناء عن العنصر البشري بسبب الأتمتة، ما يتطلب وضع استراتيجيات لاعادة تأهيل القوى العاملة وتكييفها مع الاقتصاد الجديد.
أمام كل هذا التطور في المجال التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، يبدو لبنان عاجزاً عن مواكبة العالم في ذلك سواء لأسباب سياسية أو إقتصادية، فكيف يمكن لدولة لا تبلغ موازنتها 4 مليارات دولار، وتعيش انهياراً اقتصادياً منذ العام 2019، مع فقدان العملة الوطنية حوالي 95 بالمئة من قيمتها، وخسائر في القطاع المالي بأكثر من 70 مليار دولار، أن تصب اهتمامها على مجال قد يبدو ترفاً للكثيرين في الوقت الحاضر، خصوصاً بوجود طبقة سياسية عاجزة حتى عن انجاز أبسط الاستحقاقات الدستورية؟ ويبقى الأمل معلقاً على جهود القطاع الخاص، على الرغم من كل ما يواجهه من صعوبات، في محاولة اللحاق بالركب العالمي لوضع لبنان على السكة الصحيحة في مواكبة الثورة التكنولوجية.


