الأضحى في الأديان

السيد محمد علي الحسيني

تعتبر قصة النبي إبراهيم وابنه إسماعيل (عليهما السلام) من أروع القصص التي تجسد مفاهيم الإيمان والتضحية والطاعة في الأديان السماوية، وليست القصة مجرد حدث تاريخي، بل هي درس حي يستفيد منه كل مؤمن في مختلف جوانب حياته، من خلالها نتعلم قيمة الثقة بالله والتسليم لأمره، والصبر على الابتلاء والاختبارات التي يمكن أن نمر بها.

الامتحان والتسليم

لم يكن امتحان الله لعبديه إبراهيم وإسماعيل سهلاً، بل كان حكمة بالغة، فقد أمر الله النبي إبراهيم (عليه السلام) في منامه بذبح ابنه إسماعيل كاختبار عظيم لإيمانه، وسبحان القائل في كتابه الحكيم: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}، فلم يكن هذا المنام سهلاً على قلب أب محب لفلذة كبده، بل كان (عليه السلام) يدرك أنها رسالة من ربه وهو مثال للتسليم والامتثال لأمر الله، متجاوزاً فطرته البشرية ومحبته لابنه أمام الامتثال لأوامر الخالق، وعندما علم إسماعيل بما رآه والده في المنام {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}، فأظهر الابن استعداداً وصبراً مثالياً، فلم يتردد أو يشعر بالخوف، بل استقبل أمر الله بقلب سليم، مؤكداً بذلك قيمة الإيمان والتسليم لله، وهو مشهد يعلمنا الصبر واليقين بخيرية قضاء الله وقدره، فالأمر الإلهي كان اختباراً لإبراهيم، ليس في إيمانه وحسب، بل في قوة تسليمه وطاعته لأمر الله من دون تردد، وهذا الامتحان يظهر لنا عظمة الثقة بالله والاستعداد لتنفيذ أوامره، حتى لو بدت صعبة أو مستحيلة من منظور بشري.

بعد الصبر الفرج

إن الله رحيم بعباده الذين خلقهم من روحه، وما امتحانه لهم إلا ليرفع مقامهم، وعندما أظهر إبراهيم (عليه السلام) استعداده التام لتنفيذ الأمر الإلهي، بدّل الله إسماعيل بكبش تضحية، مكافئاً إبراهيم على صدق إيمانه وتسليمه: “فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ  وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ  قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ  إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ  وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ}، وهذا يعلمنا أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وأنه دائماً مع الصابرين ويجازيهم أحسن الجزاء.

قصة إبراهيم متأصله في التوراة والإنجيل والقرآن

إن قصة التضحية تكررت في الكتب السماوية: التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، مع اختلافات طفيفة في التفاصيل، لكن الدرس المستفاد واحد: أهمية الايمان بالله، والطاعة والتضحية في سبيل رضاه. هذه القصص المشتركة تؤسس لجسر من التفاهم والاحترام بين الشرائع.

وإننا جميعاً نتعلم من هذه القصة المباركة أن الإيمان بالله وطاعته المطلقة يعتبران أساس كل تضحية، وأننا عندما نواجه اختبارات في حياتنا، يجب أن نثق بأن الله لن يتركنا وأن مع كل اختبار فرصة لرفعتنا، لنجعل من قصة النبي إبراهيم وابنه إسماعيل مصدر إلهام لنا في الصبر والثقة بالله وفي تحقيق التضحيات اللازمة من أجل إيماننا وقيمنا.

أضحى مبارك ولحجاج بيت الله الحرام حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً.

شارك المقال