الأضحى عبر التاريخ (١)… مواكب باهرة للسلاطين وصلوات في الأماكن المفتوحة

زياد سامي عيتاني

العيد في اللغة اسم لكل ما يُعتاد، كما سمي كذلك لأنه يعود ويتكرر كل عام. وعند المسلمين عيدان: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وكلاهما يأتي بعد عبادة، فعيد الفطر يأتي بعد صوم رمضان، وعيد الأضحى يأتي بعد تأدية مناسك الحج. وقد شُرّع عيد الأضحى في السنة الثانية للهجرة، ونص الفقهاء ورواة السيرة النبوية على أن أول صلاة عيد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم كانت صلاة عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وأن أول صلاة عيد أضحى صلاها كانت في السنة نفسها.

وكانت الأعياد عند المسلمين، مواسم للبهجة والمرح والتلاقي الاجتماعي، كما كانت عبادةً وقُرُبات ونُسُكاً، حتى لكأن المسلمين في أيام أعيادهم لا يشغلهم سوى المفاكهة والحياة السعيدة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام، يحرص على أن يكون هو ومن حوله أشدَّ الناس فرحاً بالأعياد. وكان عيدُه وأصحابه متواضعاً بسيطاً، لكنّه أخذ من المَسرّات حظاً وافراً ليكون يوم الجمال التامّ في كل شيء بأمر من النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقد أخرج الحاكم في “المستدرك” أن الحسن بن عليّ قال: “أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين أن نلبس أجودَ ما نَجِدُ، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد”.

سبب التسمية:

سُمّي عيد الأضحى بهذا الاسم، لأنه يعد إحياءً لذكرى نجاة سيدنا إسماعيل (عليه السلام) من الذبح على يد أبيه سيدنا إبراهيم (عليه السلام) بعد أن رأى سيدنا إبراهيم رؤيا في منامه يأمره فيها الله بالتضحية بابنه إسماعيل وذبحه، فصدّق الرؤيا وقرر أن ينفذ أمر الله تعالى ويذبح ابنه طاعةً لله تعالى. وقد استسلم الأب والابن لأمر الله تعالى، وعندما وضع سيدنا إبراهيم السكين على رقبة ابنه لذبحه كما رأى في رؤياه، لم تذبح السكين إسماعيل بأمر الله.

المواكب:

كانت المواكب الرسمية من أهمّ مشاهد العيد التي كانت تحرصُ عليها الدول، لتظهر من خلالها هيبتها وقوتها. وفي تفاصيلها العجبُ العجاب. أورد ابن الجوزي في “المنتظم” ضمن رصده لأخبار الخليفة العباسي المقتفي أنه خرج يوم العيد الموكبُ بتجمُّل وزِيٍّ لم يُرَ مثله من الخيل والتجافيف (ما تُلبَسُه الخيل ليقيها الجروح) والأعلام وكثرة الجند والأمراء! وكانت للعباسيين طقوسٌ في العيد سبق منها حملُ الحربة التي تُنسب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأيضاً “البردة” المنسوبة إليه والتي “توارثها بنو العباس، خلَفاً عن سلف، فكان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إليه (النبي) في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب ويبهر به الأبصار، ويلبسون السواد (وهو شعارهم) في أيام الجمع والأعياد”. أما الخليفة الفاطمي في أول أيام عيد الأضحي فكان يتجه إلى صلاة العيد وبعد الانتهاء منها يمتطي جواده المزين ويخرج في موكب مهيب وهو يرتدي ملابس العيد الجديدة المزكرشة ويخرج معه الوزير وحراس الخليفة وأكابر الدولة، ويتجهون إلى “المنحر” وهو دار النحر الخلافية وكانت تقوم في ركن خارجي من القصر. وكان يشترك في هذا الموكب الأفيال والزرافات والأسود المزينة بالأجلة وعليها قباب من الذهب. وكان الخليفة يشترك بنفسه في اجراءات النحر، وقد جرت العادة أن ينحر الخليفة الفاطمي 31 أضحية أول أيام العيد، وفي اليوم الثاني ينظم الموكب الخلافي نفسه إلى المنحر وينحر الخليفة 27 أضحية، وفي اليوم الثالث أيضاً يخرج بموكبه المهيب نفسه وينحر 23 أضحية.

في العصر المملوكي كانت مظاهر الاحتفال بالعيد في صباح اليوم الأول تتمثل في اجتماع أهالي الحي أمام منزل الامام الذي سيصلي بهم صلاة العيد في المسجد، فاذا خرج اليهم زفوه حتى المسجد وبأيديهم القناديل يكبرون طوال الطريق. وبعد انتهاء الصلاة يعودون به الى منزله على الصورة نفسها التي أحضروه بها.

من أمتع مشاهد تقاليد العيد في المجتمعات الاسلامية تلك التي رصدها بدقة الرحالة ابن بطوطة في مختلف بقاع الإسلام وضمّنها رحلته الشهيرة، ومنها مشهد العيد في إحدى سلطنات بلاد الروم (تركيا اليوم)، حيث يقول: “وأظلنا بهذه البلدة فخرجنا إلى المصلى، وخرج السلطان في عساكره والفتيان الأخِية (جماعات الفتوة) كلهم بالأسلحة، ولأهل كل صناعة الأعلام والبوقات والطبول والأنفار، وبعضهم يفاخر بعضاً ويباهيه في حسن الهيئة وكمال الشِّكة (السلاح)، ويخرج أهل كل صناعة معهم البقر والغنم وأحمال الخبز، فيذبحون البهائم بالمقابر ويتصدقون بها بالخبز، ويكون خروجهم أولاً إلى المقابر ومنها إلى المصلى. ولما صلينا صلاة العيد دخلنا مع السلطان إلى منزله، وحضر الطعام فجُعل للفقهاء والمشايخ والفتيان سماطٌ على حدة، وجُعل للفقراء والمساكين سماط على حدة، ولا يُرَدُّ على بابه في ذلك اليوم فقير ولا غني”!

صلاة العيد:

مع تطور الدولة الاسلامية، صار السلاطين هم أئمة صلاة العيد، حتى روى القاضي التنوخي في “نشوار المحاضرة”، أنه “كان يقال: من محاسن الإسلام: يوم الجمعة ببغداد، وصلاة التراويح بمكة، ويوم العيد بطَرَسوس”! فيما المقريزيّ يصفُ لنا في “اتِّعاظ الحُنَفا” التجهيزاتِ لصلاة العيد زمن الخليفة الفاطميّ العزيز، فيقول: “وبُنِيَتْ مَصاطِب (جمع مَصْطَبَة: مكان مرتفع قليلاً) ما بين القصر والمصلى، يكون عليها المؤذنون والفقهاء، حتى يصل التكبيرُ من المصلى إلى القصر، وركب العزيز فصلى وخطب”.

وكانت الصلاة تُعقد في أماكن مفتوحة ومحددة وبعضها معيّن بأسماء غير بعيدة من أسماء الساحات العامة بمدننا اليوم، ففي “المسالك والممالك” للإصْطَخْري أن مصلى رسول الله الذى كان يصلي فيه الأعياد (يقع) في غربي المدينة، وفي بغداد يخبرنا التنوخي أن مصلى الأعياد في الجانب الشرقي من مدينة السلام، وفي مصر يقول المقريزي في “الخطط والآثار” أن مصلى خولان (كان هو) مشهد الأعياد ويؤم الناس ويخطب لهم؛ في يوم العيد خطيب جامع عمرو بن العاص، وفي دمشق كانوا يصلون بساحةٍ تُدعى “الميدان الأخضر”، ذكرها ابن تَغْرِي بَرْدِي في “النجوم الزاهرة” حين وصَف صلاة العيد فقال: “وأطلعوا المنبر إلى الميدان الأخضر”.

شارك المقال