في بلدٍ يعاني الصراعات على الصعد كافة، لا يغيب الصراع القديم-الجديد بين المالكين والمستأجرين عن المشهد بحيث يكاد يكون أزلياً. الخلاف بين نقابة المالكين واللجنة الأهلية للمستأجرين يطال قانون الايجارات السكنية وغير السكنية على حدٍ سواء.
بالنسبة الى الايجارات السكنية يكمن الخلاف بين الطرفين (المالك والمستأجر)، في ما إذا كانت مدة التمديد القسري لإخلاء السكن وتسليمه إلى المالك، البالغة تسع سنوات لمن يستفيد من صندوق الإخلاء، و12 سنة لمن لا يستطيع الإستفادة من الصندوق، تبدأ من تاريخ نفاذ القانون رقم 6/ 2014 أي في 28/12/2014 أو القانون رقم 2/2017 الصادر في 28/2/2017 لعقود الايجار السكني المعقودة قبل 23/7/1992.
وأوضحت المحامية ملاك حميّة في حديث لموقع “لبنان الكبير” أن المادة 55 في القانون 2/2017 نصت على تمديد قانون التمديد القديم 160/92 إلى 28/12/2014. كما نصت المادة 59 من القانون نفسه على إلغاء جميع الأحكام المخالفة لمضمون قانون 2017 الواردة قي قانون 2014، وبالتالي هاتان المادتان تؤكدان أن قانون 2017 لم يحل مكان قانون 2014 بل عدّل فيه، لا سيما في زيادة فترة التمديد لغير المستفيدين من صندوق مساعدات المستأجرين.
كما أن هناك سبباً آخر يؤكد نفاذ قانون 2014 في ما خص فترة التمديد، وهو قانون تعليق المهل الصادر بتاريخ 14/5/2020 الذي استثنى قانون الايجارات الصادر في 2014 والمعدّل في العام 2017 من تعليق المهل.
اجتهادات المحاكم في تطبيق القانون المناسب
بالنسبة الى المحاكم، تلفت حميّة إلى وجود إختلاف بينها في احتساب نقطة الانطلاق للفترة التمديدية. فبعض القضاة في محاكم بيروت المنفردة يعتبر أن 2014 هي البداية في عملية احتساب الفترة التمديدية، على عكس محكمة الاستئناف التي اعتبرت في عدد من قراراتها أن قانون 2017 يلغي قانون 2014 في ما خص الفترة التمديدية. في المقابل تتفق محاكم جبل لبنان سواء المنفردة أو الإستثناء، على أن 2014 هي نقطة الانطلاق.
صندوق مساعدة المستأجرين.. مراسيم جاهزة وتطبيق غائب
أما في ما يخص صندوق المساعدات للمستأجرين الذين لا يتجاوز دخلهم خمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور، فتقول حميّة: “ان المادة 6 من القانونين (2014 و2017) نصّا على إنشاء الصندوق على أن تخضع إدارته لنظام مالي يصدّق بمرسوم في مجلس الوزراء بناءً لمقترح من وزير المالية. ولم يتم حجز أي إعتمادات للصندوق حتى الآن، على الرغم من صدور مرسوم رقم 4773 بتاريخ 17/5/2019 بتشكيل اللجان القضائية المسؤولة عن النظر في تطبيق الزيادات على بدلات الإيجار في المحافظات كافة، والمرسوم 5700 بتاريخ 1/10/2019 المتعلق بالنظام المالي للصندوق وكيفية حجز الاعتمادات. وهنا يبرز دور الدولة في تأزيم الصراع بين المالكين والمستأجرين، بسبب غياب الصندوق الذي من شأنه أن يمكّن المستأجر من دفع الزيادات في بدلات الإيجار وتفادي اللجوء إلى المحاكم في وجه المالك الذي لا يزال يتقاضى بدلات قديمة لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل الظروف الاقتصادية في البلد”.
وسبق أن أصدر القاضي المنفرد المدني، الناظر في دعاوى الايجارات والإشغال في كسروان أنطوان الحاج، قراراً يقضي بإلزام عائلة مستأجرة بإخلاء عقار كانت تقطنه في حارة صخر وتسليمه الى المالك، على إعتبار أن تاريخ سريان مدة التمديد البالغة تسع سنوات تبدأ من 28/12/2014 وليس 28/2/2017، وبالتالي تنتهي في 28/12/2023.
وفي محاولة لفهم ردود الفعل على هذا القرار، تواصل “لبنان الكبير” مع المستشارة القانونية للجنة الأهلية للمستأجرين المحامية مايا جعارة، التي ما كان منها الا أن اتهمت وسائل الاعلام، و”لبنان الكبير” من بينها، “بقبض عمولة” للتركيز على مثل هذا القرار “الشاذ” على حد تعبيرها.
ويبدو أن جعارة لا تعلم أنّ موقع “لبنان الكبير” لا ناقة له ولا جمل في الصراع بين المالكين والمستأجرين، ونسيت أو تناست أن من حق وسائل الاعلام الحصول على إجابات حيال أي قضية أو قرار ترى فيه حاجة الى التوضيح وإبراز وجهات النظر المتناقضة حوله.
أما رئيس نقابة المالكين باتريك رزق الله فأشار في حديثه لموقع “لبنان الكبير” إلى وجود العشرات من القرارات القضائية لصالح المالكين، ولكن هناك “فئة مؤيدة لاحتلال المستأجرين”، وعليها أن تتحمل المسؤولية في توريطهم بالتوجه إلى القضاء وتحمل الأعباء المالية الناتجة عن هذا الأمر.
وأوضح رزق الله أنّ القانون الصادر في العام 2014 هو قانون نافذ، وأن قانون العام 2017 هو قانون تعديلي لم يتطرق إلى التعديل على مستوى السنوات التمديدية ولا منطلق سريانها.
وتوجه النقيب بالدعوة الى المستأجرين لضرورة التفاهم مع المالكين بخصوص بدلات الإيجار لأنّه حتى لو أخذ ببدء الفترة التمديدية من العام 2017 فلم يتبقَ الكثير لانقضائها، مشدداً على ضرورة إعطاء المالكين حقهم، وليس من الطبيعي أن تكون قيمة إيجار شقة أو محل 20 ألف ليرة لبنانية فقط.
يبدو أن صراع المالكين والمستأجرين لن يتوقف في المدى القريب، خصوصاً مع ردّ رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ثلاثة قوانين متعلقة بالايجارات غير السكنية إلى مجلس النواب، قبل أن يطلب إعادتها إذا ارتأى المجلس ذلك ليتم نشرها في الجريدة الرسمية، وذلك بعدما أصدر مجلس شورى الدولة قراراً بوقف تنفيذ مراسيم الرد.


