عاشوراء… طرح معاصر ومناسبة جامعة

فاطمة الحسيني
عاشوراء

إن عاشوراء مناسبة إسلامية لها بصمتها التاريخية الخالدة، ووقعها ومكانتها في عمق وجدان المسلمين وذاكرتهم، ولأهمية هذه الواقعة فإن لنا أفكاراً متجددة نطرحها بخصوص إحياء هذه الذكرى التي استشهد فيها سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، كما أن لنا ملاحظات متعددة يمکن من خلالها بلورة رؤية واقعية منفتحة لهذه المناسبة الدينية المتجددة على مر العصور، ومع أول محرم إلى العاشر منه من كل سنة تحل هذه المناسبة لتحمل في طياتها مضامين ومبادئ إنسانية رفيعة المستوى، ومما لا شك فيه أن الإمام الحسين لم يسع إلى إبداء طروح أو أفکار خارج الخطوط والأبعاد الأصلية لفاجعة عاشوراء، وإنما استشفها واستقاها واستخلصها من متابعة وتفهم دقيقين لما طرحتها تلك الواقعة وکذلك کيفية تلقي تأثيراتها وأصدائها من جانب الناس.

النظرة الضيقة لواقعة عاشوراء أخرجتها عن مسارها

کما هو الحال دائماً، فإن الأخطاء والعثرات لا تأتي من أصل الوقائع والأحداث التاريخية العظيمة، إنما يکمن الخلل وبيت الداء أساساً في کيفية تلقي تلك الوقائع والأحداث وکيفية تفسيرها وتأويلها وأسلوب وطريقة إحيائها ونوعية المحامل التي تحمل عليها في نهاية المطاف.

ولا شك في أن عاشوراء لم تكن المناسبة الوحيدة التي تعرضت لمثل هذا النوع من التعامل، بل إنه وبإلقاء نظرة على التاريخ الإنساني على مر مختلف العصور، نتبين مجموعة الأخطاء والسلبيات التي کانت تطل برأسها من بين الجموع التي کانت تتلقى الأحداث والوقائع التاريخية والنمط والسياق والرؤية التي تفسر من خلالها کل ذلك.

للأسف حصر واقعة عاشوراء في مجموعة من التصورات الضيقة والطقوس الظاهرية التي تتعارض مع مبادئ مدرسة الإمام الحسين وقيمها، أساءت إليها ولم تخدمها لأنها انطلقت من خيال البعض وانعكست في سلوكهم من دون وعي أو تفكير في تداعيات ذلك وانعكاساتها على حادثة أرادها الله منارة للقلوب على الرغم من مرارتها ولكنها كانت مليئة بالدروس والعبر التي جسدتها المواقف الإنسانية الشامخة لسبط رسول الله عليهما السلام.

وفقاً لرؤيتنا المعاصرة عاشوراء مناسبة إسلامية جامعة

إننا وخلال مناسبات متباينة وطوال الأعوام المنصرمة، دأبنا على الترکيز على المسائل والأمور التي يمکن من خلالها تکوين رؤية مشترکة جامعة لمختلف المذاهب الإسلامية بصددها، وقد رکزنا أخيراً وبصورة لافتة للنظر على مناسبة عاشوراء التي ينظر الكثيرون إليها على أنها مناسبة خاصة بالشيعة مثلاً وليست لها أي علاقة بالسنة، وهذا خطأ وهروب من الحقيقة وعدم مواجهة الوقائع بحكمة وروية، بل إننا نؤکد أن واقعة كربلاء مناسبة تهم السنة والشيعة على حد سواء مع رفضنا ربطها وحکرها على الشيعة فقط، ونحن بذلك نسعى أولاً الى إخراج المناسبة من الحلة الطائفية المحددة التي أقحمت فيها قسراً، ونحاول إرجاعها الى الحلة الأصلية التي کانت عليها، والتي لم تکن أساساً موجهة الى طائفة أو جماعة معينة من المسلمين، وإنما کانت موجهة الى الأمة الإسلامية برمتها، والنقطة المهمة والحساسة الثانية التي نسعى للتوصل إليها، هي هدم الحاجز الوهمي النفسي بين السنة والشيعة وإزالته من خلال جمع الفريقين من جديد على رؤية وفهم موحد وأصيل يتماشى مع أصل المناسبة وأساسها وليس مع التفاسير والتأويلات المشوهة والمحرفة لها، ونحن بذلك نميل الى التأکيد على منح طابع أصيل ومعاصر للمناسبة وجعلها نقطة جامعة لصالح الأمة وليست ضدها.

شارك المقال