ربط متطوّعون شمالاً ليلهم بنهارهم ليتمكّنوا من إطفاء الحريق الذي امتدّ لأكثر من أربعة أيّام في عكّار، إذْ حاولوا جاهدين السيطرة على حرائق الغابات التي بات اشتعالها عادة سنوية يخشاها محبّو البيئة في “رئة لبنان الخضراء”.
ويصف المتطوّعون من جمعية “درب عكّار” أو من الدّفاع المدني، حرائق عكّار بـ “الكارثة”، وبأنّها “الأشدّ عنفاً” مقارنة بالأعوام الماضية، كما يُشدّدون على أنّ النيران التي أكلت الكثير من المساحات هذه المرّة (خصوصاً من غابة الصنوبر)، لم يكن من السهل عليهم إخمادها إلّا بالتعاون مع فريق “المستجيب الأوّل” في اتحاد بلديات جرد القيْطع، ومع ثلاث طوافات تابعة للقوّات الجوّية في الجيش اللبناني الذي انتشرت وحداته للمساعدة، نظراً الى وجود عوامل عدّة بشرية وغير بشرية، مقصودة أم غير مقصودة، تتحكّم بالغابات التي تحتاج إلى تسليط وزارة الزراعة الضوء عليها.
وكانت اندلعت حرائق في غابات عكّارية عدّة، وتحديداً في خراج بزال وقبعيت وحبشيت، في وقتٍ يُؤكّد فيه المتابعون أنّ هذه الحرائق المتكرّرة لن تكون الأخيرة، فالمحافظة غالباً ما تتعرّض بصورة مستمرّة لهذا النّوع من الحرائق لأسباب وعوامل مختلفة، ما يُؤكّد أهمّية تدخل المعنيين لمساعدة القائمين على إخماد الحرائق ودعمهم.
ولم يكن مستغرباً البيان الذي أصدرته المديرية العامّة للدفاع المدني بعد أربعة أيام من مواصلة عمليات الإطفاء، والتي واجهت معها صعوبات عدّة خصوصاً خلال ساعات المساء “حيث كادت النّار أنْ تلامس المنازل في حبشيت، لكنّ الجهود الجبارة لتبريد المساحات الخضراء المحيطة بالوحدات السكنية، نجحت في حمايتها من المخاطر التي كانت تُهدّدها”، معتبرة أنّ ضيق الطرق، شدّة الانحدارات، قوّة الهواء مع انتشار “اليباس” كانت من العوامل المعرقلة لإخماد النيران التي تسبّبت في إصابة أكثر من 20 شخصاً (بعضهم متطوّع)، نقل بعضهم إلى “مستشفى الحبتور”.
“جمعية درب عكار”، إحدى مجموعات مكافحة الحرائق التي تستجيب مسرعة إلى هذا النّوع من الكوارث، أكّدت أنّ فريق العمل، اجتهد لمكافحة ألسنة اللهب، عبر إقامة خطوط عزل وتبريد لمئات الأمتار بمدّ خراطيم تصل إلى 600 متر بعمق الغابات، مشيرة إلى أنّ مساحة الحريق بلغت 33 هكتاراً أكلت من أشجار الزيتون، الأشجار الحرجية من الصنوبر، السنديان والأجباب، فتوزّعت الأضرار بين المناطق كالآتي: حبشيت: 14.8 هكتاراً، بزال: 10.7 هكتارات وقبعيت: 7.5 هكتارات.
ومن الجمعية (التي تُعوّل على التبرّعات المتراجعة للغاية، مع العلم أنّها تحتاج لكلفة تشغيلها سنوياً بين 10 إلى 15 ألف دولار)، يُؤكّد خالد طالب أنّ الحرائق في عكّار تنقسم إلى قسميْن: الأوّل يكمن في الحرائق المفتعلة عمداً نتيجة التعدّي على المشاعات، أو نتيجة حدوث مشكلات على حدود الأراضي، والثاني غير مفتعل نتيجة قيام مزارع بتشحيل أرضه فتندلع النيران من دون قصد.
وإذْ يُؤكّد طالب أنّ المحافظة اعتادت توسّع الحرائق سنوياً، يُشدّد على أنّ النيران تحمل مع كلّ عام جديد، قساوة وتطرّفاً أكبر. ويقول لـ “لبنان الكبير”: “منذ أربعة أعوام، خسرت عكّار أكثر من 3500 هكتار في حرائق الغابات، فحريق القبيات وحده وصل إلى 1800 هكتار، حريق السفيْنة العام 2020 350 هكتاراً، وحريق عكّار العتيقة بلغ 100 هكتار، والخسائر اليوم تُعدّ تراكمية بمساحات شاسعة، ويُمكن القول إنّنا خسرنا 15% من الغابات العكارية خلال الأعوام الأخيرة، وبالتالي من الصعب تعويض الخسائر، بحيث نرى أنّ المساحات الخضراء التي خسرناها منذ العام 2021 لا تزال جرداء إلى الآن”.
أمّا عن الحريق هذا العام، “فيبدو متطرّفاً أكثر، وواجهنا لإخماده ناراً شديدة أكثر من قبل نتيجة تكدّس الوقود وغياب تطبيق خطط إدارة الغابات، لكن بالتعاون مع فرق الدّفاع المدني، بذلنا جهوداً كبيرة للحدّ من الخسائر، فلم يكن الموضوع سهلاً ولن يكون بسيطاً نظراً الى تحمّلنا أعباء الصيانة أو تكلفة التشغيل”.
وفي ما يخصّ إدارة الغابات، يرى طالب أنّ قطع الأشجار يكون صحياً عند الكثافة الكبيرة، “فإذا حرصنا على غابة كثيفة 100 عام، سوف يقضي عليها حريق واحد، ومن المفترض أن نستفيد من الغابات ونخفف كتلتها الحيوية، فغابات عكّار معرّضة لخطر الحرائق بسبب المزيج الخطير والكارثي فيها والذي يتكوّن من الأعشاب اليابسة، والأجباب اليابسة ومن شجر الصنوبر البروتي، ما يجعل الحرائق أكثر عنفاً، بدءاً من ارتفاع 400 متر وصولاً إلى 1000 أو 1200 متر، كما أنّ غابات اللزاب وغيرها، باتت تتعرّض لحرائق أكثر من السابق مع تراجع الرعي، وتوافر مواسم عشبية عدّة تصل إلى مستويات خيالية، فتنتقل الحرائق منها إلى اللزاب التي لم تحترق يوماً”.
الخسائر لا يُمكن أنْ تقتصر على النطاقيْن البيئي أو البشري فحسب، بل هناك خسائر اقتصادية، إذْ يلفت طالب إلى أنّ الضرر الذي يضرب النظام البيئي المتكامل، يضرب أيضاً اقتصاد النّاس “فالأحراج التي تحترق، كان يُمكن أن تُنتج ربحاً للمزارع يصل إلى مليون دولار من استخراج الحطب والفحم منها”.


