يُواجه أبناء مدينة طرابلس أزمة مرتبطة بصورة مباشرة بأمنهم الغذائيّ المهدّد أخيراً بسبب الغش المستمرّ إمّا بأسعار المواد الغذائية، أو بتاريخ انتهاء صلاحيتها، ما يجعل من فكرة البيع والشراء شمالاً، تحدّياً مستمراً لا يُمكن التنصّل من تداعياته التي لا تُبشّر بالخير.
وفي وقتٍ ترتفع فيه أصوات بعض المنادين بأهمّية تخزين المواد الغذائية تحسّباً للسيناريوات الأسوأ في البلاد بفعل الحرب الجنوبية، لا يخشى الطرابلسيّون من التصعيد المستمرّ في الجنوب أو من التوتر الذي يضرب البلاد بعد سلسلة اعتداءات نفذها الكيان الصهيوني محلّياً وإقليمياً وما رافقها من توترات بين طهران وتل أبيب، إذْ لا يُفكّر أبناء المدينة بالتخزين بقدر ما يُخطّطون لكيفية كشفهم عملية الكذب التي يُنفذها التجار ويُشارك فيها البائعون الذين باعوا ضمائرهم للتخلّص من بضاعة لا بدّ من إتلافها لا بيعها للزبائن.
وتُؤكّد أم عمّار (56 عاماً) التي تُحاول اتباع حمية غذائية قاسية تُخلّصها من داءي الكوليسترول والضغط، أنّها تعرّضت للغش أكثر من مرّة عند محاولتها شراء خبز الشوفان من إحدى البقالات في طرابلس، وتقول لـ”لبنان الكبير”: “أشتري ربطتيّ خبز كلّ يوم تقريباً، لكنّني لاحظت أنّ الربطة قد يُكتب عليها تاريخ الصناعة وانتهاء الصلاحية، وأحياناً أخرى لا يُكتب، فلم أفكّر بالسوء أبداً، لكنّني وجدت (حتّى على الربطة التي يُدوّن عليها التاريخ)، أنّ الخبز الموجود بداخلها فيه عفن أيّ اللون الأخضر الذي لا يُمكن أكله، فرميت الخبز مرتيْن، وأبلغت صاحب البقالة، الذي طلب منّي عدم رمي الربطة وإعادتها إليه حين يحدث ذلك معي، ليتواصل مع الشركة الأساسية أو الموزّعة، وبدأت أقلق حرفياً عند فتح كيس الربطة التي يبلغ سعرها 50 ألف ليرة أكثر من قلقي على ارتفاع سعر الخبز كما يُتداول إعلامياً”.
أمّا إسماعيل ع. (12 عاماً)، فتعرّض للغش مرتيْن، أوّل مرّة في العيرونية قضاء زغرتا، بعد شرائه سكاكر من بقالة قريبة من منزل عائلته، ومرّة ثانية، في منطقة الزاهرية الطرابلسيّة، ويُوضح لـ “لبنان الكبير” أنّه ينسى الكشف على تاريخ انتهاء صلاحية المنتج الذي يشتريه بصورة يومية كالسكاكر، البطاطس، المشروبات الغازية على أنواعها، الأمر الذي يُغضب عائلته التي تنصحه دائماً بقراءة التواريخ قبيْل اختيار المنتج وشرائه. ويقول إسماعيل: “منذ أيّام، اشتريت قالب حلوى من بقالة قريبة، وبعدما أكلت منه شعرت باشمئزاز من رائحته وطعمه، وتقيّأت كلّ ما أكلته، ليكشف عمّي عن أنّ القالب قد انتهت صلاحيته، فواجه صاحب البقالة الذي أعطاه البديل مباشرة معتذراً عن الخطأ”.
في الواقع، تكثر الشكاوى المرتبطة بالغش، فلا يُمكن حصرها بمواد غذائية محدّدة ولا يُمكن تحديد وجهة شرائية “آمنة” لها تقي المواطن من التلاعب المستمرّ، لذلك يُحاول الطرابلسيون والشماليون البحث باستمرار عن البضاعة المناسبة في المكان الأنسب وبالسعر المعقول.
وبشهادة بعض المواطنين لـ “لبنان الكبير”، فإنّ التلاعب لا يقتصر على بضاعة مختومة من عدمها، أو بضاعة طازجة أو معلّبة، إذْ يُؤكّد الكثير من الشماليين أنّ علب اللبنة المختومة ولو وضعت بتاريخ صلاحية معيّنة، تُتلف في اليوم التالي حتّى لو وضعت في البراد، ما يُشير إلى عيب صناعي وإنتاجيّ واضح، فيما يُؤكّد آخرون أنّ الوحيد الذي يتمكّن من التمييز بين المواد الغذائية السليمة من عدمها والمرتبطة بالطعام مباشرة، هو الخبير في فنّ انتقاء البضائع واختبارها طازجة فقط، فيعرف طبيعتها وتاريخ صنعها أو صيدها كالسمك أو الدجاج والبيض وغيرها، ولكن يُشدّد آخرون على أنّ “الغش بات صنعة، تماماً كرفع الأسعار بلا سبب أو بلا عامل محفّز”.
ووسط رفض واضح من المواطنين لارتفاع الأسعار الذي لا يُتبع بضرورة الحفاظ على الجودة أو تحسينها غذائياً، تلفت المعطيات لـ “لبنان الكبير” إلى أنّ التجار أو أصحاب المحال يخشون قيام الزبائن بالإبلاغ عنهم رسمياً، الأمر الذي يُعرّضهم للكثير من المشكلات “هم بغنى عنها”، لذلك يطلبون من الزبائن استرداد البضاعة لتعويضهم أو للاعتذار عنها، بناءً على أمرين: الأوّل عدم معرفة صاحب المحل عموماً بتاريخ انتهاء الصلاحية، بحيث يقوم الكثير من صنّاع المواد الغذائية المختلفة بوضع تاريخ مختلف عن تاريخ انتهاء الصلاحية الحقيقيّ، ما يُؤدّي إلى تلف البضاعة قبل وقتها الواضح للعيان. أمّا الأمر الثاني، فيرتبط برغبة البائع والتاجر في تصريف البضاعة حتّى ولو كانت غير صالحة للاستخدام “البشريّ”، الأمر الذي يفرض ضرورة الملاحقة القانونية.
رئيس اللجنة الصحيّة في بلدية طرابلس الدّكتور عبد الحميد كريمة، يُؤكّد لـ”لبنان الكبير” متابعة البلدية هذا الملف بصورة مستمرّة عبر دائرة الرقابة الصحيّة، موضحاً أنّ البلدية تقوم بالكشف دائماً عن هذه التجاوزات وإتلاف البضاعة الفاسدة بعد مصادرتها، إذْ “يُمكن للمواطن إبلاغ الدّائرة بأيّة شكوى، لتقوم البلدية بالكشف على المكان أو البضاعة لإتلافها في حال فسادها”.


