تتجه الأنظار في الوقت الحالي نحو قضية الزواج من القاصرات، بعد عرض قانون يبيحه في مجلس النواب العراقي، ما أثار جدلاً كبيراً حول المسألة التي لم تعد محل قبول لدى كثيرين.
علينا أن ندرك أن الزواج ليس مجرد عقد اجتماعي، بل هو ارتباط يتطلب وعياً وتحملاً للمسؤولية، لذا فإن النظر في هذه القضية يحتم علينا التعمق في الآثار المترتبة على زواج القاصرات ومخاطرها التي لا تقتصر على الأفراد فقط، بل تشمل المجتمع بأسره.
وبالنظر إلى القوانين المقترحة في مجال الزواج بمجلس النواب العراقي، نجد أنها تأتي بحجة تنظيم العلاقات الأسرية، لكن في المقابل السماح بالزواج من القاصرات يشكل خطوة مقلقة ومربكة، إن هذا القانون قد تكون له تأثيرات سلبية كبيرة، بحيث قد يُفَسَّر أنه يُعزز من القيم المجتمعية التي تدعم زواج القاصرات، ما يتجاوز بكثير المشكلات القانونية ليكون الأمر متعلقاً بالحالة النفسية والاجتماعية للأفراد.
الآثار الاجتماعية والنفسية لزواج القاصرات
يترك زواج القاصرات آثاراً اجتماعية ونفسية خطيرة على الفتيات، مثل الانتقال إلى مرحلة المسؤولية الأسرية والزوجية قبل الوعي والنضوج النفسي، إضافة إلى فقدان الفرص التعليمية والانطواء وعدم الاستمتاع بمرحلة الطفولة بجمالها ومراحلها.
تُظهر الدراسات أن المتزوجات في سن مبكرة يعانين من مستويات أعلى من الاكتئاب والقلق بسبب الضغوط المرتبطة بالزواج والأمومة، وبذلك، فإن المجتمع الذي يقبل بهذا النوع من الزواج قد يهيئ بيئة تُعرِّض الفتيات لخطر التهميش وعدم تحقيق الذات.
إن الزواج إدارة ومسؤولية ضخمة، بحيث يتطلب بناء أسرة متكاملة نضوج الأفراد وفهماً واضحاً للعلاقة، فيحتاج الزوجان إلى تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات ليضمنا استقرار الأسرة وجودة الحياة، ولا ريب أن شكل العلاقة وتأثيرها على الأطفال يتوقف بشكل كبير على نضوج الزوجين ووعيهما، وهو ما تفتقر إليه الحالات التي تتضمن زواج القاصرات.
أهمية النضوج
إن النضوج هو عملية تتم على مدار الزمن، ومن الصعب أن يكون متوافراً لدى الأفراد في سن مبكرة، فالعلاقات الصحية تتطلب القدرة على الاتصال الفعّال والمشاركة في اتخاذ القرارات المهمة.
إن افتقار القاصرات إلى هذه العناصر يعني احتمالية وقوعهن في صراعات عاطفية ونفسية مع عواقب وخيمة على حياتهن المستقبلية.
المفسدة الناتجة عن زواج القاصرات
الزواج من القاصرات تترتب عليه مفاسد عديدة أكثر من المنافع، تشمل تفكك الأسرة وزيادة معدلات الطلاق، فالأطفال الذين ينشأون في بيئات غير مستقرة يواجهون تحديات كثيرة تتعلق بالنمو العقلي والاجتماعي، كما أن المجتمع يعاني من الافتقار إلى الكفاءات والعقول المبدعة نتيجة لهذا الاتجاه، ما يسبب عواقب سلبية بعيدة المدى.
في ضوء حجم المخاطر والمفاسد المحتملة، يجب علينا أن نرفض زواج القاصرات بوضوح وفقاً للقاعدة الشرعية المشهورة عند الفقهاء: “درء المفاسد أولى من جلب المصالح”، وعليه يجب العمل على تغيير القناعات المجتمعية حول هذه القضية، والتغيير يتطلب بيئة تقوم على أسس تربوية قائمة على ثقافة الاحترام للمسؤولية المرتبطة بالزواج وتنمية الوعي المجتمعي بقيمة تعليم الفتيات واستقلالهن.
إن تحقيق مجتمع صحي يتطلب بذل جهود جماعية على مستوى المؤسسات الدينية والاجتماعية والتربوية والتعليمية لوضع حد لهذه الظاهرة التي تستنزف طاقة البنات القاصرات ولأجل مجتمعات أكثر استقراراً ونضوجاً.


