يأمل الكثير من العكّاريين في طي صفحة “الاحتقان المزمن” بين بلديتيّ فنيدق وعكّار العتيقة على خلفية نزاع عقاريّ يعود إلى أكثر من 50 عاماً حول منطقة القمّوعة. فبعد سقوط ضحايا ومشكلات دموية لا تنتهي بين البلديتيْن العكّاريتين، تعود هذه القضية إلى الواجهة من جديد “مستفحلة” عقب ظهور مجموعة من الشبان الملثمين والمسلّحين (قيل إنّهم من فنيدق)، وجّهت رسالة تهديد الى رئيسيّ بلديتيّ فنيدق وعكّار العتيقة “في حال اتفقا على تقسيم القموعة بينهما”، ما صدم الرأي العام الشمالي الذي ذُهل من هذا المشهد “المدّجج” بالسلاح، في وقتٍ تحتاج فيه المنطقتان إلى الهدوء والسلام الذي لا يُمكن تكريسهما إلّا بتدخلٍ قضائيّ عاجل يُلزم الطرفيْن بحدود واضحة.
هذه الاشكالية العقارية المطروحة منذ أعوام، لا تُعدّ الوحيدة شمالاً، بحيث يعرف القاصي والداني تأثير النزاعات بين بشري والضنية حول القرنة السوداء أيضاً، لكنّ الملف العكّاري تحديداً، يحمل خطورة بسبب تسبّبه في سقوط ضحايا سابقاً من جهة، وفي ظهور مسلّح غريب وغير مفهوم من جهة ثانية، ولكن يُوضح أحد شبان المجموعة، وصوله الى بيان يُؤكّد حصول اتفاق بين رئيسيّ البلديتين حول تقاسم منطقة القموعة، وقالت المجموعة: “رئيس بلدية فنيدق يُمثّل نفسه في هذا الاتفاق، ولن نسمح لأيّ شخص من فنيدق أو من خارجها بلمس حبّة تراب من أرض القموعة، ونقطة على السطر والحدّ على الشير”.
ووفق معطيات “لبنان الكبير” فإنّ الملف تحرّك مجدّداً منذ أيّام مع حلول ذكرى مرور ثلاثة أعوام على مقتل علي ميتا من عكّار العتيقة والمهندس رامي البعريني بعد إشكال الوادي الأسود في أطراف منطقة القموعة (اتُهم أبناء منطقة عكّار العتيقة حينها بقتل البعريني وفق أبناء فنيدق)، فتشكّلت على إثره لجنة صلح وزارية يرأسها اللواء محمّد مصطفى وتضمّ مشايخ وفعاليات سياسية، قضائية، قانونية، واستشارية بغية إيجاد حلول. وبعد حادثة مقتل أحمد درويش من عكار العتيقة في جرود القمّوعة العام 2023، نشطت اللجنة من جديد، لكنّها كُلّفت مباشرة منذ 8 أشهر من رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي بتحضير الأوراق والمستندات اللازمة لتقييم الوضع، وبعد ثلاثة اجتماعات عقدت في السراي لهذه الغاية، يبدو أنّ تسريباً ما يستهدف إشعال فتيل الفتنة، أوحى للشبان منذ ساعات بتوقيع اتفاق على تقسيم القموعة، ما دفعهم غاضبين إلى تسجيل الفيديو ونشره، في وقتٍ ينفي فيه المعنيّون هذه الأقاويل، مؤكّدين أنّ ثمّة أشخاص يستغلّون الفتنة التي لم يحلّها القضاء بيْن الطرف الأوّل (أيّ أبناء عكّار العتيقة) الذي يُؤكّد ملكيته ووراثته للأراضي بسندات منذ العام 1911، بينما يرى الطرف الثاني (فنيدق) أنّ هذه السندات مزوّرة وأنّ حدوده رُسمت طبيعياً وبالوثائق.
وتُضيف المعطيات التي تخشى من “الطابور الخامس”: “إنّ الحدّ العقاري بعد التسوية قد يكون قريباً بين المنطقتيْن لمنع سفك الدماء، وهذا ما حاول الرئيس سعد الحريري فعله لكن لم يرضَ أحد بالحدود حينها، الا أنّ نجاح المصالحة حالياً يحتاج إلى التنازل عن العند”، كما تنقل المعطيات حديثاً عن اللواء مصطفى الذي اجتمع منذ فترة مع عائلة ميتا، فأكّدت له “أنّ دمّ الشهيد فداءً للمصالحة”، وهي الجملة نفسها التي قيل إنّ عائلة البعريني كرّرتها أمام اللواء عند زيارته لها.
رئيس بلدية فنيدق سميح عبد الحيّ (الذي لا يعرف هوّية الشبان في الفيديو) يُؤكّد لـ “لبنان الكبير” عدم وجود حلول رسمية ودقيقة حتّى الساعة لهذا الملف، “فنحن أقمنا دعاوى قضائية للبتّ فيه منذ 30 عاماً، وكنّا حضّرنا الوثائق والمستندات لإثبات صحّة توجهاتنا لعمل اللجنة وللإسهام في المفاوضات التي كُلّفت بها بناءً على توجيهات الرّئيس ميقاتي، لكن على ما يبدو وصلت معلومات مغلوطة للشبان بأنّ تقسيماً ما قد حدث، ومع أنّني سامحت المجموعة على تهديدها، لكن لا عدل في تكريس الأساليب التي تتجاوز الشرع والقانون”.
وإذْ يُشدّد على أهمّية إجراء تسويات ومفاوضات فعلية “إكراماً للصلح وحقناً للدماء”، يؤكد صعوبة القضية، قائلاً: “إنّ غياب الحسيب والرقيب سابقاً، مع عدم البتّ في هذا الشأن قضائياً حتّى اللحظة، أدّى إلى حدوث نزاعات طويلة الأمد والتي من المفروض الحدّ منها بعيداً عن أيّة ضغوط سياسية”.
أما رئيس بلدية عكار العتيقة محمّد خليل فيتمنى الوصول إلى اتفاق لحلّ النّزاع بين الطرفيْن “كيّ نعيش بسلام ونطوي صفحة عمرها 60 عاماً”. ويقول لـ “لبنان الكبير”: “خلال عمل اللجنة ووفق رؤيتها، حصل تقارب في وجهات النّظر، إذْ اجتمعت معنا منذ ساعات طيلة النهار، وأنا متفائل بالخيْر، لأنّ الاتفاق سيُمكّن مناطقنا من تحقيق نجاح إنمائي، اقتصادي وسياحيّ يُنعش المنطقة فوراً، وبالتالي إنّ هذه اللجنة بصبغتها القضائية والأمنية ستعرف كيفية تقسيم المنطقة، لإنهاء الخلافات التي نريد الحدّ منها ولإزالة الفتنة من التداول، فالضغط سيكون من مصلحة الضيعتين المرتبطتيْن بالمصاهرة بغضّ النّظر عن الخلافات العقارية، ونتمنى على وسائل الاعلام انتقاء مفرداتها جيّداً”.


