من كفه القوي الرقيق، تنبعث رائحة عطره المفضل، كلما أمسك ذقني ليتمكن من تصفيف شعري الأجعد بفرشاته القوية. كان يقربني ليصفف شعري، ثم يبعدني ليطالع عن بعد ماذا حقق التصفيف من نتائج، ثم يردني مجدداً، ممسكاً بفكي ليضيف لمسة هنا وأخرى هناك، فإن استشعر الرضا عما فعل، قبلني في وجنتي بحنان، ودفعني إلى مقعد مجاور، ليعاود العملية نفسها بتفاصيلها مع أخي.
كان مولعاً بالعطور، وقد ورثت عنه هذا الولع، وكان عطره المفضل هو “ريف دور” بقارورته المميزة، التي كان يحتفظ بها أبي أعلى دولابه بعيداً عن عبث أيادينا الصغيرة، لكننا كنا نحتال بوسائل كثيرة، للوصول الى قارورة العطر، لننال منها نفحة خفيفة نأمل ألا يفضح عبقها فعلنا.
لا أعرف، في أي مكان في الدماغ، تختزن الذاكرة الروائح، وتستخدمها كمفتاح المفاتيح “ماستر كي” لكل الذكريات العصية على الاستدعاء، لكنني أعرف قدرة العطور على فتح صفحات مغلقة من تاريخنا الشخصي.
كنت أدعو لأبي كالمعتاد أثناء سجودي في الصلاة، حين داهمت أنفي رائحة عطره وقد امتزجت برائحة راحة يده، كانت لحظة عابرة كالبرق، لكنها عميقة كنهر عظيم، استغرقتني، واستدعت دموعي.
برحيل أمي ازدحمت صلواتي بالدعاء لها ولأبي، وبقدر ما أوجعني رحيلها، بقدر ما سكنت داخلي طمأنينة إلى أن أبي لم يعد وحيداً، فقد لحقت به أمي لتؤنس وحدته، وحملت عني برحيلها أحزان وحشة أبي ووحدته. حتى في رحيلها تريد أن تحمل عنا ما قد ننوء بحمله، وكأنها تقول لنا: تفرغوا لمسؤولياتكم الأسرية، واستمتعوا بأيامكم، ولا تحملوا هم وحدة أبيكم، فهو لم يعد وحيداً.
عبق عطر قديم، استدرجني الى مناطق خافية في تلافيف الدماغ، تحتمي بها ذكريات الطفولة، بأجمل وأعظم وأرق ما فيها، أمي وأبي، وأياماً ما كنا نتصور أنها ستذهب مرة واحدة ولن تعود إلا بعبق عطر قديم.
ولدت في السادسة صباحاً في اليوم التاسع من ديسمبر (كانون الأول) قبل تسعة عشر شهراً من ثورة يوليو (تموز)، أكاد أتذكر الدقائق التي سبقت مولدي، حين اعتمر أبي طربوشه، ووضع معطفاً ثقيلاً فوق كتفيه قبل أن يغادر المنزل مهرولاً تحت جنح ظلام حالك في يوم شتوي قارس البرد، لاستدعاء “الداية زاهية”، ثم يعرج في طريق عودته لإبلاغ جدتي لأمي بأن ولادتي قد حضرت.
قبل السادسة صباحاً، كانت زاهية تساعد أمي (٢٢ عاماً) على ولادة طفلها الخامس (الثالث بين أحياء). وعند تمام السادسة كانت شهقة ميلادي الأولى التي تقول عنها أمي انها كانت الأسهل على الاطلاق بين كل اخوتي واخواتي.
حملت الداية زاهية مشيمتي وقد لفتها في قطعة قماش وأودعتها في إحدى علب الزيت، وسلمتها لجدتي التي استدعت بدورها عم مصطفى فراش المدرسة الكائنة في الدور الأرضي من منزلنا ليدفنها (كالعادة) في جانب غير مطروق من حديقة المدرسة. رأيت الداية زاهية لاحقاً عندما حضرت أمي ولادة اخوتي اللاحقين، امرأة بيضاء بدينة ذات عينين زرقاوين، تشبه الى حد ما الفنانة ميادة الحناوي، وشهدت كيف كانت تضع ملاءة ممن تضعها نساء ذلك العهد فوق كتفيها، ثم تسارع إلى خلعها للشروع في العمل.
بعد الانتهاء من حمامي الأول، دخلت جدتي إلى المطبخ لإعداد طعام خاص لوالدتي، يعوضها عن متاعب المخاض والولادة، كان يبدأ عادة بمشروب الحلبة بالعسل الأسود، ثم يلحقه مشروب المغات، وكلاهما غني بالسمن البلدي، الذي يعين الوالدة حسب اعتقادهم على التعافي السريع بعد الولادة.
أجواء البيت مشبعة برائحة المغات، أما سكان البيت فتغمرهم أجواء فرح استثنائي لقدوم المولود الجديد.
لم أكن سعيداً بولادتي، ولا كنت راضياً عن اسمي (عبد المنعم) كنت أراه اسماً من زمن قديم، يخلو من أي جرس موسيقي. كنت أتطلع إلى اسم سهل التداول، وظل هذا موقفي مع اسمي حتى كبرت وأنهيت دراستي الجامعية، لكنني استشعرت بعض الرضا عنه حين شاهدته لأول مرة، مرفوعاً على الجدران، إبان حملة انتخابية، خضتها، وتطوع بعض الأنصار بإعداد لافتات تأييد حملت اسمي عبد المنعم مصطفى لأول مرة.
شعرت وقتها أن اسمي بجوار مصطفى يحمل بعض الموسيقى ويبدو أسهل عند التداول، ورحت أحدث نفسي قائلاً لها إنني من دون مصطفى ولا حاجة. كان هذا اعتقادي الراسخ الذي راح يزداد رسوخاً مع الوقت، حتى بعد وفاة أبي رحمه الله.
تداولت أصابعي الدقيقة وأنا بعد في طور الحضانة، قطع العملة المصرية الملكية، تعرفت على الملك فاروق الأول ملك مصر، عندما تسلمت مصروفي اليومي لأول مرة، كانت صورته مطبوعة بارزة فوق قطع العملة المعدنية فئة القرش صاغ، أو نصف القرش (التعريفة) وحتى المليم الأحمر، وفئة المليمين ونصف المليم، التي كان المصريون يسمونها “العشرين تعريفة”.
كان الملك قد غادر مصر لآخر مرة عقب حركة الجيش في ٢٣ يوليو ١٩٥٢، التي وصفتها بيانات الجيش ذاته بأنها “الحركة المباركة”، لم تكن بعد قد اكتسبت لقب “ثورة”.
لحقت بالعربة الأخيرة في قطار ما قبل التباس الهوية، أدركت التعليم تعليماً، والمدينة مدينة، والقرية قرية، كان لدى مصر وصف وظيفي، وآخر اجتماعي، وثالث طبقي، لا تلتبس فيه الملامح.
كانت صورة الملك فاروق الأول، أو والده فؤاد الأول منقوشة بدقة ووضوح فوق كل هذه العملات، وكانت هي الوحيدة التي لم يتمكن رجال يوليو من التمويه عليها أو شطبها على مدى ما يزيد على عشر سنوات بعد سقوط الملكية وإعلان الجمهورية، عندما ظهرت قطع عملة تحمل شعارات أبي الهول، والإصلاح الزراعي، والميثاق الوطني والسد العالي.
تأهلت عند التحاقي بالصف الأول الابتدائي للحصول على مصروف يومي قرش صاغ كامل، كان يكفي لشراء كعكة “سميط” وبعض الحلوى، لكنني كنت أنفق نصفه وأدخر نصفه الآخر، حتى يتجمع لدي قرب نهاية الأسبوع، قرشان ونصف (خمسة تعريفة) كنت أشتري بها سندويش فاخر محشو بالقشدة والعسل الأبيض من عند سعد اللبان، قرب شريط الترام على الضفة الأخرى من الشارع.
كان سندويش القشدة بالعسل، هو مكافأتي الأسبوعية لذاتي، أما الكعك الذي تفوح رائحته الرائعة من مخبز قريب، فكان رشوة أتلقاها بكل الرضا حتى أوافق على أخذ الحقنة بصيدلية رياض المجاورة لسعد اللبان.
بمرور السنوات، كلما وضعت قدمي فوق عتبة عام جديد، لا أحدق بنظري بعيداً لأستشرف مستقبلاً لم أعد بقوانين الطبيعة، وبحسابات متوسطات الأعمار، جزءاً منه، فأغلب ما أملكه هو ماضٍ أحب أحياناً أن أتأمله علني أعثر فيه على مستقبلي، وداخل هذا الماضي، أعيد اكتشاف قوة الأوهام، التي لولاها ربما ما استمرت حياتي أو حياة أي أحد.
كلنا نتوهم أننا نقف على أقدامنا، ونتوكأ على سواعدنا، لكن السنين، والتجارب تكشف لنا قرب النهاية، أن افضل ما توكأنا عليه طوال الرحلة كان ما أبدعته لنا الأوهام من أسباب الاستمرار، وعوامل الاستقرار.
حتى هذا الاستقرار الذي أفنينا حياتنا وأمضينا جل رحلتنا في الذهاب اليه، تبين لنا بعد مضي الوقت أنه كان أعظم أوهامنا، بل إنني أظن أننا نسقط عندما تتبدد أوهامنا.


