يتسبّب القصف الاسرائيلي العنيف الذي ارتفعت حدّة وتيرته القاسية على لبنان في الفترة الأخيرة، في تشريد الآلاف من اللبنانيين والسوريين في البلاد وخارجها، ففي وقتٍ اضطّر فيه متضرّرون إلى مغادرة منازلهم للتوجّه نحو مناطق، قرى ومدن أخرى بعيدة عنهم، اتخذ آخرون قراراً بمغادرة البلاد عبر المعابر البرّية ومنها الشمالية التي تشهد زحمة خانقة لم تشهدها من قبل حتّى في أحلك الظروف والأزمات.
ولم يكن قرار المغادرة سهلاً على المواطنين، لكنّه كان الحلّ الوحيد بعد تعليق الكثير من الرحلات الجوّية في مطار رفيق الحريري الدّولي واكتفاء الأخير بطيران الشرق الأوسط “المفوّل” والمستمرّ حتّى 14 تشرين الأوّل الحالي وفق ما يُؤكّد أحد الموظفين لـ “لبنان الكبير”، ما وجّه الكثيرون إلى الحدود اللبنانية- السورية التي فتحت أبوابها للنازحين وسهّلت عملية الدخول إليها قدر المستطاع في ظلّ الظروف الطارئة والدامية، واتضحت هذه السهولة أكثر عقب تعليق الحكومة السورية العمل بقرارها الصادر في العام 2020 والذي كان يُلزم مواطنيها بتصريف 100 دولار لدى دخولهم إلى الأراضي السورية.
مصدر مسؤول عند الحدود يُشدّد لـ “لبنان الكبير” على صعوبة واقع النزوح والتوجّه إلى سوريا حالياً بسبب الزحمة الكبيرة والخانقة والتي تُعدّ سبباً رئيساً يدفع الكثير من السوريين إلى النوم على الطرق الحدودية، بانتظار وصول دورهم للدخول إلى أراضيهم. ويقول: “المآسي الاجتماعية والانسانية لا تنتهي في هذه البلاد، إذْ نُسجّل دخول الآلاف من اللبنانيين، السوريين والرعايا الأجانب أو حاملي الجنسيات الأجنبية عبر الحدود يومياً، ليلاً ونهاراً، ولهذا السبب تحدث زحمة لا توصف خصوصاً وأنّ العمل عبر الحدود يكمن في الضغط على حاسوب واحد، فلا يتحمّل كلّ هذا الضغط، وحينما كان يمرّ عشرة أشخاص مثلاً أو أقلّ، ينتظرون أكثر من ربع ساعة، فكيف يُمكن أن نحسب الوقت والضغط عند دخول الآلاف؟”.
ويُضيف: “ما زاد الطين بلّة، هو إلغاء قرار أخذ الـ 100 دولار من السوريين الذين كانوا يتوجّهون إلى غرفة المصرف وبعدها إلى التفييش أو الاستعلام عنهم، ما أدّى إلى حدوث ضغط كبير في تسجيل الدخول، مع العلم أنّه خطوة تسهيلية أساساً، لكنّها دفعت الجميع إلى الحدود”. ويلفت إلى أنّ التسهيل يظهر عبر مرور “النّاس حتّى لو بإخراج قيْد قديم أو عائلي سريعاً، كما ألغيت رسوم السيارات، ما يُشير حتماً إلى خسارة اقتصادية سورية عند خسارتها للعملة الصعبة”.
إلى ذلك، لا يغفل النازحون عن خطورة الوضع الأمني في سوريا التي تلقّت ضربات إسرائيلية خصوصاً في عاصمتها دمشق، أو عن خشية البعض من المتابعة الأمنية، “لكنّ الضرورات تُبيح المحظورات، ولا تتلقّى سوريا حالياً ضربات كالتي يُواجهها لبنان أخيراً، والنّاس علقت عند الحدود لساعات لتدخل إلى سوريا ومنها إلى الأردن أو إلى العراق حيث تصل إلى المطار لتنتقل بعدها جواً إلى المكان الذي تُريد، فيما يبقى آخرون في سوريا حيث يساعدهم الكثيرون في إيجاد الشقق أو يتنقلون مجاناً بباصات إلى حمص، وعموماً، وفي حال وقعت أيّة ثغرة على الحدود بعد بحث أكثر من جهة أمنية موجودة، فالاحتمالات ثلاثة، أوّلاً: إعادة الشخص إلى لبنان، ثانياً: دفعه إلى مراجعة مركز أمنيّ، وثالثاً: إلقاء القبض على المطلوبين”.
وفي وقتٍ تتحدّث فيه معلومات عن تلقّي بعض العناصر السورية عبر الحدود مبلغ 50 دولاراً أميركيّاً لتسهيل العبور أو الابتزاز، يلفت المصدر إلى عدم صحّة هذه الأقوال، موضحاً أنّ بعض النازحين من الجنوب وبيروت إلى وادي خالد، الدبوسية أو العريضة، يقوم بإعطاء الأموال ليُسهّل أموره ولم يُجبر على دفعها. ويؤكد أنّ ما يحدث بين اللبنانيين أنفسهم يُسمّى استغلالاً، “إذْ يستغلّ اللبنانيّ الآخر، ونقصد هنا التاكسي أو مافيا الحروب المنتقلة برّياً، وبدلاً من أخذه مثلًا 100 دولار من الزبون، يتلقّى 400”.
وبعد رصد “لبنان الكبير” لبعض مكاتب السفر البرّي شمالاً، يُشير أحدها إلى “توجّه المئات من النّاس عبر هذه المكاتب التي قد يُؤتمن مع بعضها على المسافر، وقد لا يُؤتمن مع أخرى عليه، وذلك حسب شهرة الشركات ومصداقيتها، والتي تُعدّ السياحية منها الأفضل والأكثر أماناً، وتتنوّع الأسعار فيها وتبدأ من 100 دولار لدى البعض وتصل إلى 175 دولاراً (بالباص) حسب الشركة وقوّة نفوذها أيضاً في الداخل السوريّ وذلك لتصل إلى العاصمة الأردنية- عمّان، أمّا سعر الانتقال عبر التاكسي إلى الأردن فيبدأ من 1300 دولار في رحلة تستغرق أكثر من 12 ساعة (حسب الزحمة)، مع العلم أنّ الوصول إلى الأردن براً يستغرق 8 ساعات فقط”، فيما يُشدّد صاحب إحدى الشركات في التلّ (غير معروفة) على أنّ “التوجه بالباص قد يُكلّف 130 دولاراً إلى سوريا فقط، وقد يدفع الشخص منها إلى الأردن أكثر من 500 ألف ليرة”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.