يُدرك التربويّون شمالاً، أنّ هذا العام الدّراسيّ لن يكون كسابقاته لا سيما في زمن الحرب والصراعات الدّاخلية، فمنذ قيام وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال عبّاس الحلبي بتحديد مسارات التدريس في المدارس والثانويات الرسمية بعد عودتها إلى “الحياة” بصورة استثنائية وجزئية منذ يوم الاثنين، لم تهدأ الآراء الطرابلسية التي انقسمت إلى فئات ترفض العودة إلى التعليم بهذه الظروف، وأخرى تتحدّث عن أهمّية تحدّي العدوان وقهره بالتعليم.
قد يكون أهالي الطلاب هم الأكثر اعتراضاً على قرار الوزير، خصوصاً بعد عملية تقسيم المدارس (بيْن تلك المعتمدة كمركز للإيواء ضمن المناطق الآمنة، وأخرى غير معتمدة)، التي أُثبتت شمالاً عبر صورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، قيل إنّها تضمّنت أسماء المدارس الرسمية التي فتحت أبوابها للتلاميذ، فتعجّب الأهالي من نقل أبنائهم من مدارسهم الأصلية إلى أخرى قد تكون بعيدة عنهم في طرابلس، فيما صُدم أبناء جبل محسن (الذي يستقطب حوالي 8 آلاف نازح في المراكز) من عدم تخصيص مدرسة واحدة لأبنائهم ضمن مدارسه السبع.
ناشط من جبل محسن يُؤكّد لـ “لبنان الكبير” أنّ نسبة مرتفعة من الأهالي لن تسمح لأولادها بالتوجّه إلى المدارس البعيدة عن المنطقة، ويقول: “فرزوا الطلّاب إلى القبة، البدّاوي، التبانة والحدّادين وغيرها من المناطق المحيطة، لكنّ الأهالي (النسبة الأكبر) رفضوا إرسال الطلّاب لسببيْن: الأوّل يكمن في خوفهم من تدهور الوضع، والثاني يرتبط بعجزهم المادّي عن دفع أجرة الأوتوكار”. ويلفت إلى انعقاد اجتماع في المنطقة أظهر اعتراض حتّى المعلّمات على القرار، خصوصاً وأنّ الدّولة لم تُؤمّن النقليات مجاناً، لذلك يتمّ البحث حالياً في كيفية إيجاد حلّ للتعليم الحضوري، مع العلم أنّ آخرين يطرحون اعتماد التعليم عن بُعد.
ناشط آخر يكشف لـ “لبنان الكبير” عن طرحٍ جدّي في المنطقة لإخلاء مدارس الجبل من النازحين ونقلهم إلى معرض رشيد كرامي الذي يتسّع لأكثر من 100 ألف شخص، “ومع أنّ هذه الفكرة كانت نالت استحسان البعض الذي لا يرفض النازحين طبعاً، لكن فئات دينية وسياسية من جبل محسن رفضتها وعلى رأسها المجلس الاسلامي العلويّ الذي لا يتمكّن من تحمّل مسؤولية كبيرة كان على الدّولة تحمّلها من جهة، وحزب الله الذي تغيب خطّته التنظيمية عن النازحين من جهة ثانية”.
وفي ردّ من المجلس الاسلامي العلويّ (الذي يُؤكّد أنّ قرار إخلاء المدارس لا يعود إليه بل إلى الدّولة مباشرة، وأنّه ينظر بعيْن العطف الى هذا الملف بزاويتيْن إحداها مناطقية تُراعي خصوصية المنطقة وثانيها وطنية)، يلفت مدير مكتب رئيس المجلس الشيخ أحمد عاصي إلى رفض أبناء جبل محسن التعلّم خارج نطاق منطقتهم لما تحمله من خصوصية وحساسية، ويقول لـ “لبنان الكبير”: “فوجئنا بقرار وزير التربية الذي لا يُراعي خصوصية المنطقة، بحيث تبلّغنا هذا الرفض من مجالس الأهل، ونحاول وضع خطّة عمل وحلول كيّ لا يضيع العام الدّراسي على أبناء منطقتنا والنازحين، ونحن أمام طرحيْن: إمّا متابعة التعليم أونلاين، ما يُؤمّن استمرار الدّراسة (لأولادنا ولأولاد النازحين معاً)، أو تأجيل العام الدراسي الى بداية السنة”.
وعن إخلاء النازحين ونقلهم إلى المعرض، يؤكد أن “أحداً لم يطرح علينا مشروع المعرض، وكنّا طرحنا حلولاً مع المعنيين وننتظر الردّ، فمثلاً طرحنا على وزير الشؤون الاجتماعية هكتور حجّار قاعة كبيرة يُمكن تأهيلها للنازحين، ثمّ حاولنا الاستعانة بمدرسة الدير في الجبل وتحدّثنا مع رئيس أساقفة أبرشية طرابلس المارونية المطران يوسف سويف الذي رحّب بالفكرة لكنّ ثمّة عراقيل لوجيستية وإدارية قد لا تطرحها كبديل، وكذلك تواصلنا مع المسؤولة هيلدا الخوري لتأهيل مبنييْن لكليتيّ الآداب والحقوق في القبّة، وما زلنا ننتظر الردّ الذي سيأتي بعد تواصل المعنيين مع رئاسة الجامعة اللبنانية، وبالتأكيد سنرفض انتقال النازح إلى مكان لا يليق به”.
إلى ذلك، لا يُخفي مصدر تربويّ تشجيعه على عودة التعليم الرسميّ “الذي يُحاربه الجميع”، رافضاً تذمّر الأهالي من هذه العودة “الضرورية” لفرض الثقافة على المجتمع “المغنّج”، وهذا ما يراه الكثير من الطرابلسيين خصوصاً مع تدهور القطاع التعليميّ منذ العام 2019 إلى الآن، “فحديث اطلب العلم ولو في الصين لم يأتِ من فراغ، وكنّا نمشي تحت الشتاء لنتعلّم، فيما نستغرب رفض النّاس دفع ألف ليرة على الأقلّ لصندوق لجنة الأهل الذي يُساعد المدرسة، فالمحبرة وحدها سعرها 220 دولاراً، ولم نعد نشتري أوراقاً ولا أقلاماً في مدارسنا بسبب النقص التمويلي”، وفق ما يقول لـ “لبنان الكبير”.
المصدر لا يغفل عن وجود ثغرات في القرار تُؤثر في المعلّمين أو البرنامج التعليميّ، “لأنّ المعلّمين الذين كانوا يُدرسّون لأربعة أيّام أسبوعياً، يجدون أنفسهم مضطّرين الى التعليم يوميّ الجمعة والسبت بعدما كانوا في منازلهم مع عائلاتهم، كما أنّ آخرين يلتزمون بتعليم خاصّ ما يفرض تغيير الدوامات عليهم، في وقتٍ كان أصدر فيه الوزير القرار بصورة مفاجئة، ولو أصدره قبل أسبوعيْن لا قبل يوميْن، لكنّا جهّزنا أنفسنا وتحمّلنا المسؤولية بهدوء لتحديد الحصص، المواد التي وضعت أو أُلغيت، وتحديد البرامج من جديد…”.


