سقوط الأسد: موجات الصدمة المحلية والاقليمية

حسناء بو حرفوش

سقط نظام بشار الأسد.. كعملاق من ورق وبسرعة مدوية، في تحول غير متوقع للأحداث. السقوط الدرامي على حد وصف المحلل خوسيه ترابانكو، أحدث موجات من الصدمة على الصعيدين المحلي والاقليمي. فما الذي سيحل تالياً بالفاعلين الذين اتخذوا من سوريا نقطة عبور؟

ووفقاً لتحليل ترابانكو، “لطالما شكلت بلاد الشام مغناطيساً جاذباً لمصالح القوى العظمى الاقليمية (بما في ذلك القوى البحرية والأرضية الثقيلة) وذلك منذ فجر التاريخ. وباعتبارها ممراً للجيوش الغازية ومفترق طرق لشبكات التجارة، لطالما مثلت الجهة الشرقية من البحر الأبيض المتوسط ​​محل تطلعات للغرب نتيجة لأهميتها الاستراتيجية والتجارية المحورية بالنسبة الى أوراسيا الكبرى. ولذلك فليس من المستغرب أن تشارك القوى الكبرى اليوم في هذه الدراما المتكشفة.

بالنسبة الى الولايات المتحدة، تحفز إطاحة الأسد على يد مقاتلين متشددين آثاراً متناقضة. فأولاً، تضع الفوضى التي اندلعت السياسة الخارجية الأميركية في موقف محرج. ومن ناحية أخرى، تمثل ورقة لتأجيج الاضطرابات الاسلامية في غرب آسيا وخارجها. في النهاية، من غير المرجح إلى حد كبير أن يؤدي مثل هذا التحول التكتوني إلى ولادة دولة مستقرة مدعومة بالمبادئ الدستورية للديموقراطية الأثينية كمرساة للاستقرار. ولكن هناك أيضاً فوائد جوهرية للمصلحة الوطنية الأميركية. والواقع أن المحافظين الجدد في البنتاغون، كانوا يعتزمون استهداف سوريا (إلى جانب دول أخرى في الشرق الأوسط رفضت المبادئ الأساسية للأحادية القطبية التي تقودها الولايات المتحدة) أثناء إدارة (جورج) بوش.

أما بالنسبة الى الاتحاد الروسي، فيشكل التفكك المفاجئ لنظام الأسد نبأ سيئاً. فقد استثمرت موسكو الكثير من القوى البشرية والأموال والموارد (بما في ذلك القوات العسكرية النظامية ومرتزقة مجموعة فاغنر) في الدفاع عن النظام السوري السابق. وبالنسبة الى الروس، يمنحهم موطئ قدم في الشرق الأوسط النفوذ باعتبارهم وسيطاً ديبلوماسياً رئيسياً وصورة قوة عظمى قادرة على فرض قوتها في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي من أجل حماية حليف إقليمي، حتى لو كان ذلك يعني تحدي الغرب الجماعي. وبوجود سوريا كمنصة لوجيستية، يمكن للروس تنفيذ عمليات استكشافية في البحر الأبيض المتوسط ​​وشمال إفريقيا والساحل. ولكن نتيجة لالتزامهم بحرب أوكرانيا وتركيزهم على الأزمات السياسية المتنازع عليها في منطقة القوقاز، افتقر الروس إلى النطاق الكافي لحماية الأسد مرة أخرى.

وفي الوقت الحالي، تمكن الروس من الحفاظ على منشآتهم البحرية في طرطوس وقاعدة حميميم الجوية، على مقربة من اللاذقية، ولكن مصداقية الضمانات الأمنية التي يقدمها الكرملين لشركائه الاستراتيجيين تضررت. وسوف تضطر الدول التي تربطها علاقات دفاعية وثيقة بروسيا إلى إعادة تقييم مدى ملاءمة مثل هذا التعاون ونطاقه. فقد دمر عدد من العناصر رمزاً لنهضة روسيا كقوة عظمى. ومع بعض الحظ، يمكن لروسيا أن تطمح الى تولي دور إقليمي أصغر كراعٍ استراتيجي لجيب علوي افتراضي. وربما يمكن تحقيق مثل هذا التعويض من خلال المفاوضات التجارية مع كل من الأتراك والاسرائيليين. وعلاوة على ذلك، فإن الانتصار العسكري والسياسي للمقاتلين السلفيين على نظام تدعمه موسكو منذ عصر الحرب الباردة قد يؤدي إلى تنشيط التمردات سواء في روسيا نفسها أو في جمهوريات آسيا الوسطى ما بعد الاتحاد السوفياتي، قريباً من الحدود الروسية.

وأخيراً، لا تتعرض الصين لتهديد مباشر من جانب القوى التي تقف وراء إطاحة الحكومة السورية، وهي محمية بمسافة من الاضطرابات الناجمة عن الصراع. وكانت بكين قد صنفت سوريا البعثية كشريك استراتيجي لأسباب اقتصادية وديبلوماسية (بما في ذلك جاذبية موانئها على البحر الأبيض المتوسط)، وهو التصور الذي قوبل بالمثل. ومن ثم فإن النهاية المفاجئة لنظام الأسد تشكل مشكلة أيضاً بالنسبة الى “المملكة الوسطى” من حيث الأمن القومي والحكم الاقتصادي.

ويمكن لمثل هذا الحدث أن يعمل كمحفز يشجع القوى الجهادية العابرة للحدود الوطنية، بما في ذلك الجماعات المسلحة التي تعمل في مقاطعة شينجيانغ ذات الأغلبية المسلمة. كما يمكن للاضطرابات اللاحقة وتراكم الخبرة القتالية من الشبكات الإسلامية المخضرمة أن تغذي المتاعب في البلدان حيث توجد مشاريع استثمارية صينية في الخارج، مثل باكستان أو أفغانستان، أو التي تعتبر أراضيها أداة للنجاح التشغيلي للمشاريع الجيواقتصادية التي تقودها الصين، مثل دول آسيا الوسطى ما بعد الاتحاد السوفياتي.

وكانت بكين قد جنّدت مشاركة سوريا في مبادرة الحزام والطريق عام 2022. والآن، وعلى الرغم من عدم اليقين بشأن الفترة الانتقالية القادمة، يبدو أن الصينيين يستعدون لخوض اللعبة الطويلة والافادة بصورة عملية من الحوافز الاقتصادية للقيام بالأعمال التجارية والحصول على دور في سوريا الجديدة أو ما تبقى منها، بغض النظر عمن يتخذ القرارات فيها”.

شارك المقال