يحاول بنيامين نتنياهو الذي وقع على اتفاق وقف إطلاق النار، التخلص منه لأسباب كثيرة أهمها أن الاتفاق لا يحقق أهدافه التي وضعها بعد هجوم السابع من تشرين الأول 2023، وهي القضاء على “حماس” كلياً وكسب صورة نصر واضحة. صحيح أنه أضاف لاحقاً أهدافاً ضمنية وعلنية الى العدوان على قطاع غزة، مثل احتلالها وتهجير أهلها لكن اتفاق وقف النار يقضي بانسحاب جيش الاحتلال من القطاع وانهاء الحرب؛ وهذا ما لا يريده نتنياهو وحكومته.
الا أن العودة إلى العدوان بطريقة مخادعة عبر الاغتيالات وقتل وجرح أكثر من ألف فلسطيني في ثلاث ساعات، تأتي مدفوعة بعدة عوامل داخلية واقليمية، أولها، حاجة نتنياهو الى تمرير الميزانية السنوية في الكنيست مع نهاية الشهر الحالي، وبالتالي هو يحتاج الى عودة ايتمار بن غفير للحكومة وكسب أصواته أثناء التصويت. أما الثاني، فتأثير إقالة رئيس جهاز الشاباك رونين بار، والدعوة الى تظاهرات كبيرة أمام الكنيست ومقر الحكومة، وبدأ يتعمق الانقسام بين العلمانيين والصهيونية الدينية وهذا الملف أحد أبرز هذه الخلافات إضافة إلى إقالة المستشارة القضائية. والعامل الثالث، هو تسلم ايال زمير رئاسة الأركان خلفاً للمستقيل هرتسي هاليفي، ويحتاج الى اثبات نفسه وأنه يستحق هذا المنصب بعد اثبات ولائه لنتنياهو. والرابع هو الضغط العسكري لتحقيق أهداف ميدانية، فبخلاف أسلوب التوغلات لرئيس الأركان السابق، خطة العدوان الجديدة تتحدث عن اجتياح القوات داخل القطاع، وقتل السكان المدنيين وتهجيرهم منها، إلى جانب تفعيل خطة المساعدة في الهجرة الطوعية من قطاع غزة لجميع المهتمين. ومن المتوقع أن يبقى جيش الاحتلال في المناطق التي يتوغل فيها وعدم الانسحاب منها. ويظهر أيضاً استهداف كل ما له علاقة بحركتي “حماس” و”الجهاد الاسلامي”، مدنياً كان أم عسكرياً.
أما الأهداف الخارجية، فتبدأ بوأد المبادرة المصرية العربية لوقف إطلاق النار ومنع التهجير. ويتضح أن حكومة الاحتلال لا تريد للقاهرة أن تقدم أي مقترحات بل تحاول الضغط على الرئيس عبد الفتاح السيسي للقبول بالهجرة الطوعية بدل الاجبارية. يضاف إلى ذلك منع الخرق بالاتصال بين “حماس” والادارة الأميركية بعد المفاوضات التي حصلت بين آدم بولر مبعوث دونالد ترامب لشؤون الرهائن، وهو ما أدى إلى سحب ترشيحه بعد ذلك. ويتبين أن جولة محادثات القاهرة في مطلع الأسبوع كانت خط النهاية للجهد الديبلوماسي لدفع مواصلة الإفراج عن أسرى على أساس مقترح مبعوث ترامب الخاص ستيف ويتكوف الذي اقترح تحرير 10 أسرى إسرائيليين أحياء وعدد من الجثث مقابل وقف إطلاق النار حتى نهاية عيد الفصح أي بعد شهر ونصف الشهر. رفضت “حماس” التقدم وفق مقترح ويتكوف، لأنه لا يضمن الدخول في مفاوضات المرحلة الثانية وتنفيذ بنود المرحلة الأولى وفي مقدمها البروتوكول الانساني والانسحاب من محور صلاح الدين.
للأسف، دخل قطاع غزة مرحلة جديدة أكثر خطورة، لأنه بخلاف إدارة جو بايدن فإن ادارة ترامب لا تطلب من إسرائيل مواصلة تزويد القطاع بالمساعدات أيضاً وما تطلبه من أسلحة سيكون عندها فوراً. من هنا، يبقى الميدان سيد المفاجآت وهو ما سيحسم نهاية الحرب أو نهاية الحياة في غزة.


