في عُروقِ بيروتَ، حيثُ يعبقُ الهواءُ برائحةِ الأرزِ القديمِ وشَذى البحرِ المتوسط، تُعلّقُ قضيةُ التعييناتِ الادارية كقلادةٍ من حروفٍ ذهبيةٍ على صدرِ الوطن. ليست الشواغرُ مجردَ فراغاتٍ في الهياكلِ البيروقراطية، بل هي نوافذُ مُشرّعةٌ على سؤالٍ وجودي: هل تُولدُ الدولةُ من جديدٍ أم تظلُّ أسيرةَ أشباحِ الماضي؟ هنا، حيثُ تلتحمُ ذاكرةُ الحجارةِ العتيقةِ بنبضِ الشبابِ الحالم، تصيرُ كلُّ وظيفةٍ شاغرةٍ محطةً في رحلةِ الخلاصِ من سرديةِ الانهيار. التعييناتُ ليست حروفاً في مرسومٍ، بل هي أناشيدُ تُنشدُ للكفاءةِ، وتُذكّرُ بأنّ الوطنَ يُبنى بأيادٍ نظيفةٍ لا بأدرانِ المحاصصة.
تسعةُ مبادئ لآلية التعيينات
تحملُ حكومةُ “الاصلاح والإنقاذ” تسعةَ مبادئَ كسفينةِ نوحٍ، تُبحرُ بها في طوفانِ الفسادِ المُزمن. “الحياد، الكفاءة، تكافؤ الفرص” عناوينُ تلمعُ كنجومٍ في ليلٍ لبنانيٍّ مُظلم، لكنْ هل تُضيءُ دربَ الوصولِ إلى شاطئِ الأمان؟ أكثرُ من مئتي منصبٍ شاغرٍ تتراقصُ فوقَها أقنعةُ الطوائفِ، كأنّ الادارةَ العامةَ مسرحٌ للعرائسِ الخشبية. بينما يقفُ حاكمُ المصرفِ المركزيّ شاغراً كقلبٍ مُعلّقٍ خارجَ الجسد، يُصارعُ السقوط الحر حراً نحوَ الهاوية. الحكومةُ ترفعُ شعاراتِها كشموعٍ في عاصفة، لكنّ السؤالَ يبقى: مَن سيحمي الضوءَ من أنْ يُطفأ؟
البطءُ… موسيقى الموتِ البطيء
لماذا تُشبهُ آليةُ التعييناتِ الجديدةُ ساعةً رمليةً يُقلبها الزمنُ من دونَ أنْ تنتهي؟ الفراغُ في المناصبِ الحيويةِ ليسَ مجردَ رقمٍ في تقرير، بل هو جُرحٌ ينزفُ منه اقتصادُ الوطنِ كلَّ يوم. مصادرُ سياسيةٌ تقول لموقع “لبنان الكبير” إنّ البطءَ “رقصةٌ ممنهجة لتكريسِ الدولةِ الوهمية، حيثُ تُصانُ المصالحُ الضيقةُ فوقَ أنقاضِ المصلحةِ العامة”.
وتعتبر أن ذلك يُناقضُ خطابَ الحكومةِ عن “الطوارئ الاصلاحية”، ويُذكّرُ بثقافةِ المماطلةِ التي طالما أحبطتْ أيَّ تحوّلٍ جذري، لافتة الى أن “تعطيلَ ملءِ هذه المناصبِ الحيوية، وخصوصاً في القطاعِ المالي، ليس مجردَ تأخيرٍ إداري، بل هو استمرارٌ غيرُ مُبررٍ لسياسةِ تعطيلِ الدولة، ما يُهددُ بانهيارٍ أعمقَ للمؤسسات. فكيف تُحاكي الحكومةُ شعاراتِ الاصلاحِ وهي تُقّدمُ مصالحَ المناوراتِ السياسيةِ على ضروراتِ إنقاذِ البلاد؟”.
الوحدةُ… هل تُخيطُ جراحَ الدولةِ أم تُزيّنُها بالكلمات؟
في قصرِ بعبدا، حيثُ يلتقي رمضانُ بالصومِ الأكبر، يتحدثُ الرئيسُ جوزاف عون عن “الوحدة” كأنها ملاكٌ نزلَ من السماء. لكنّ الوحدةَ الحقيقيةَ ليست طقساً دينياً، بل هي قرارٌ جريءٌ بقطعِ يدِ الفسادِ التي تمتدُّ من المصرفِ إلى الجمارك. الوحدةُ ليست كلماتٍ تُلقى على مائدةِ الإفطار، بل هي تعيينُ مديرٍ عامٍ يُمسكُ بمفاتيحِ الخزينةِ ولا يسرقُها. الوطنُ لا يُبنى بالشعاراتِ التي تذوبُ كالسكرِ في فنجانِ القهوة، بل بإرادةٍ تُحوّلُ المبادئَ التسعةَ إلى خطواتٍ تُنقذُ ما تبقى من وجهٍ لبنانَ الحبيب.
لبنانُ يُشبهُ قصيدةً حزينةً تُكتبُ على جدرانِ المصرفِ المركزيّ. التعييناتُ الجديدةُ قد تكونُ البيتَ الأخيرَ في القصيدة، إمّا أنْ يحملَ بصيرةَ الثورةِ الادارية، أو أنْ يُكرّسَ الإفلاسَ الأخلاقي. الحكومةُ أمامَ مفترقِ تاريخي، إمّا أنْ تُمسكَ بيدِ الكفاءةِ وتزرعَ الأملَ في عيونِ الشبابِ الجريحة، أو أنْ تظلَّ تُديرُ ظهرَها للوطنِ بينما تغرقُ السفينةُ. الوقتُ ليس حيادياً… إنه إمّا حليفُ الاصلاحِ أو شاهدُ انهيارٍ آخر. فهل يدرك العهد الجديد أنّ الفرصةَ الأخيرةَ قد لا تنتظر؟


