الثنائي يتجنب المواجهة مع سلام ولكن!

محمد شمس الدين

في قلب المشهد اللبناني المتأزم، يعود الجدل القديم-الجديد ليُحيي صراعاً بين منطقين: دولة تُريد حَسمَ أمر سيادتها عبر حصر السلاح بيد جيشها، ومقاومة تُصرُّ على أنَّها الضامن الوحيد لمواجهة الاحتلال. تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام الأخيرة، التي أعلن فيها أن “صفحة سلاح حزب الله انطوت”، فتحت باب الجدل على مصراعيه، وسط صمتٍ لافت من “الثنائي الشيعي” وتصعيدٍ من المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، الذي هاجم سلام، معتبراً أن “إلغاء المقاومة هو إلغاء للبنان نفسه”.

“الثنائي الشيعي”: صمتٌ يُخفي ترقباً

على الرغم من حدّة التصريحات، تجنّب “حزب الله” وحركة “أمل” الرد المباشر على سلام، في خطوةٍ تُفسّرها مصادر سياسية بأنها “تجنبٌ لتفجير الحكومة”. لكنّ صمتَهما لم يمنع تياراتٍ مقرّبة من الطرفين من تسجيل مواقف نارية. مصادر قريبة من الثنائي قالت لموقع “لبنان الكبير”: “الحديث عن نهاية المقاومة ينكر واقعاً بسيطاً: الاحتلال الاسرائيلي لا يزال يقصف الجنوب يومياً.. فكيف نطلب إلقاء السلاح قبل تحرير الأرض؟”.

وتساءلت المصادر: “لماذا لم يُدِن سلام العدوان الاسرائيلي قبل الحديث عن حصر السلاح؟ وهل يعتقد أن الضغط الديبلوماسي كفيل بتحرير الجنوب؟ التاريخ يقول إن الاحتلال لا يرحل إلّا بسلاح المُقاومين”.

سلام: وهم الدولة أم رهان الاصلاح؟

ويبدو رئيس الحكومة من جهته واثقاً من خطوته. وأكد في حديثه لقناة “العربية”، أن “السلاح خارج الدولة يعوق الاستثمارات واستعادة الثقة الدولية”، مشيراً إلى أن “الجيش وحده قادر على حماية لبنان”. كلامٌ يراه محللون محاولةً لترسيخ صورة “الدولة القادرة” أمام المجتمع الدولي، خصوصاً مع مفاوضات صندوق النقد.

لكنّ سؤالاً جوهرياً يطفو: هل يستطيع لبنان أن يكون دولةً بلا مقاومة في ظل استمرار الاحتلال؟ هنا، يردّ الشيخ قبلان بحدّة: “المقاومة ليست شعاراً، بل نصف تاريخ لبنان الحديث.. شطبها يعني شطب السيادة”. تصريحاتٌ تعكس انقساماً مجتمعياً عميقاً: فريقٌ يرى في المقاومة “صمام أمان”، وآخرُ يعتبرها عبئاً على استقرار الدولة.

الديبلوماسية vs السلاح: معادلة مستحيلة؟

وسط هذا الجدل، تبرز إشكاليةٌ أخرى: هل يمكن استبدال سلاح المقاومة بديبلوماسيةٍ عاجزة؟

يدافع أنصار سلام عن النهج الجديد، قائلين إن “المقاومة العسكرية لم تعد قادرة على الردع في عصر التفوق التكنولوجي الاسرائيلي”، بينما يُحذّر أنصار المقاومة من أن “الديبلوماسية وحدها لن تُحرّر شبراً من الأرض”.

وفي خلفية المشهد، تُصر إسرائيل على رفض الانسحاب من النقاط المُحتلة في الجنوب إلا بعد ضمان “سيطرة الجيش اللبناني بنسبة 100%”، وفق تصريحاتٍ إسرائيليةٍ رسمية، ما يضع الجيش في موقفٍ حرج بين التزامه بسطوة الدولة وواقع التهديدات اليومية.

لعبة التوازنات.. ومصير الاستثناء اللبناني

لبنان، كالعادة، عالقٌ في معادلةٍ لا يُحسد عليها: دولةٌ تبحث عن سيادتها الكاملة، ومقاومةٌ تُصرُّ على شرعيتها التاريخية

السؤال الذي يُلاحق اللحظة الراهنة: هل سيتمكّن سلام من تحويل كلماته إلى سياساتٍ ملموسة، أم أنَّ الصمت الحالي للثنائي الشيعي هو مجرد هدنةٍ قبل عاصفةٍ جديدة؟ الاجابة قد تحملها الأيام المقبلة، لكنّها – بالتأكيد – لن تكون أبسط من تعقيدات المشهد اللبناني نفسه.

شارك المقال