أقر مجلس الوزراء المصغر لحكومة الاحتلال توسيع العدوان على غزة لا سيما الهجوم البري وأسماه “عربات جدعون”. ما يثير الأسئلة أن توقيت القرار يأتي قبل أيام من زيارة دونالد ترامب الى المنطقة، مع حديث أميركي إسرائيلي عن أن المفاوضات دخلت في الوقت الضائع، فإما صفقة بشروط إسرائيلية تُسلم فيها “حماس” أسلحتها وحكمها وتخرج من المشهد أو أن “عربات جدعون” ستتوغل في كل غزة. ولذلك يبدو الاعلان مقدمة لتقديم مبادرة جديدة لوقف الحرب أو تسعيرها.
بداية، اختيار “عربات جدعون” كمسمّى العدوان الجديد على غزة له دلالات رمزية دينية وتاريخية وعسكرية مقصودة، حسب القناة 12 الاسرائيلية. فشخصية جدعون توراتية من سبط منسّى، وعُرف بأنه قاد مجموعة صغيرة من المقاتلين وانتصر على جيش المديانيين الأكبر عدداً عبر حيلة وخطة عسكرية ذكية، بحسب النص التوراتي (سفر القضاة). ويمثل جدعون في اللاهوت العسكري الصهيوني، رمزاً للنصر من موقع ضعف أو قلة عدد، والاعتماد على “الشرعية الإلهية” في القتال. أما عربات فتشير إلى مركبات القتال الحربية القديمة، وهي رمز للقوة والتحرك السريع والانقضاض. وفي السياق الحديث، تشير إلى الدبابات أو التقدم التكنولوجي العسكري. وسبق أن أطلقت العصابات الصهيونية على إحدى عملياتها في النكبة عام 1948 اسم “عملية جدعون”، والتي هدفت إلى السيطرة على منطقة بيسان وطرد سكانها الفلسطينيين. اختيار الاسم “عربات جدعون” تم بعناية ليعطي شرعية دينية وتاريخية للعملية، ويوحي بالقوة والعزيمة في القتال، وفي الوقت نفسه يلمّح إلى نَفَسٍ استعماري قديم متجدد، بحيث يُعاد استخدام شخصيات توراتية لإضفاء قداسة على القتل المتعمد.
ولكي يتهرب بنيامين نتنياهو من المسؤولية لا سيما إذا قتل أسرى إسرائيليين أو فشل الهجوم، قال إن رئيس الأركان أيال زامير أوصى بتوسيع العملية العسكرية. وأشار إلى أن “العملية العسكرية تهدف إلى هزيمة وإخضاع حماس في غزة وإطلاق سراح جميع المختطفين، وتمت الموافقة عليها بالإجماع في الكابينت السياسي الأمني.”
وفقاً للخطة التي وضعها رئيس الأركان وقيادة جيش الاحتلال، “سيعزز الجيش قواته ويعمل بقوة لهزيمة وإخضاع حماس وتدمير قدراتها العسكرية والحكومية، مع خلق ضغط قوي للإفراج عن جميع المختطفين. وسيُمنح تغطية حماية قوية للقوات المناورة من البر والجو والبحر، مع استخدام معدات ثقيلة لتعطيل الشحنات وتدمير المباني المهددة” حسب ما يقول زامير.
وتبدو الخطة الاسرائيلية الجديدة مكررة مع إضافة بقاء قوات الاحتلال في أي نقطة تصلها في القطاع، و”تضمنت إجلاء واسع النطاق لجميع سكان غزة من مناطق القتال، بما في ذلك من شمال غزة، إلى مناطق جنوب غزة” حسب اعلان المتحدث باسم جيش الاحتلال. ومن هنا يمكن استنتاج أن المنطقة ستكون بين محوري موارغ وفيلادلفي في جنوب القطاع عند الحدود المصرية، وسيتجمع فيها أهل غزة كلهم لدفعهم نحو اقتحام حدود مصر أو نقلهم طوعياً خارج القطاع من مطار رامون الاسرائيلي. وفي ظل كل ذلك لن يكون هناك تقديم مساعدات للناس أو للقطاع الصحي.
وعليه، يمكن تلخيص خطة زامير بـ” الانتقال من سياسة الغارات إلى احتلال الأراضي والبقاء فيها، ونقل سكان غزة جنوباً وتسهيل تهجير الفلسطينيين”، من دون السؤال عن أرواح الغزيين أو حتى عن الأسرى الاسرائيليين. من جهتها، اعتبرت هيئة عائلات الأسرى الاسرائليين أن هذه الخطة التي أقرها الكابينت خطأ تاريخي ويجب أن تسمى “خطة سموتريتش-نتنياهو” لأنها “تتخلى عن أبنائهم وتفرّط بالأمن وتختار الأراضي على حساب الأسرى خلافاً لرغبة أكثر من 70% من الرأي العام”.
لكن تبدو “عربات جدعون” ضجة كبرى أكثر منها خطة عملية، لأن المناورة الواسعة النطاق لن تتم إلا بعد زيارة ترامب للخليج العربي، أي ليس قبل نهاية الأسبوع المقبل، وتسبقها زيارة وزير الشؤون الاستراتيجية الاسرائيلية، رون ديرمر، إلى الولايات المتحدة. لكن ولو حصل الهجوم، هل سينجح الاحتلال في فرض ما لم يستطع فرضه سابقاً؟ يشير المحلل العسكري لصحيفة “هآرتس” الاسرائيلية، عاموس هرئيل، إلى أن “إسرائيل تسير إلى كارثة جديدة في قطاع غزة بعد قرار توسيع العملية الاسرائيلية، ومن المرجح أن نفقد جنوداً وأسرى، إضافة الى تفاقم الكارثة الانسانية للفلسطينيين، ومن المشكوك فيه أن تحقق هذه العملية إخضاعاً حقيقياً لحركة حماس”.
أما آساف بوزايلوف فيقول في قناة “كان” الاسرائيلية: “من نصدق؟ رئيس الحكومة الذي يؤكد أن إسقاط حماس هو الأولوية القصوى، حتى إن كان ذلك على حساب حياة الأسرى؟ أم المتحدث باسم الجيش، الذي يصرّ على أن استعادة الأسرى تأتي في مقدمة أهداف العملية، يليها إسقاط حماس؟”. المتحدث باسم الجيش امتنع عن التعليق على ما نُسب الى رئيس الأركان في الكابينت بشأن المخاطر التي قد تُهدد الأسرى في حال تنفيذ عملية عسكرية واسعة، مؤكداً أن “الخطة العسكرية المعتمدة هي الأنسب لتحقيق الأهداف التي حددها المستوى السياسي”.
وبالتالي، ربما سيكون منتصف شهر أيار الحالي مع ذكرى النكبة، هو المؤشر حول مصير غزة النهائي.


