يعود ملف الموقوفين السوريين في لبنان إلى الواجهة، حاملاً معه أبعاداً إنسانية وقضائية وسياسية معقدة. فبعدما تردد عن نية دمشق اتخاذ إجراءات تصعيدية ضد لبنان بسبب ما وصفته بـ”مماطلة” في معالجة هذا الملف، سارع الجانبان إلى نفي أي توتر ديبلوماسي، مؤكدين وجود تواصل رسمي مباشر سيُستكمل عبر لجنة سورية ستزور بيروت قريباً للبحث في آلية حل الملف تدريجياً.
مصادر رسمية لبنانية كشفت لموقع “لبنان الكبير” أن الاتصالات بين الطرفين مستمرة وهادئة بعيداً عن الاعلام، وأن السلطة السورية أبدت تفهماً لصعوبة بعض الملفات، لكنها في الوقت نفسه طلبت تسريع الخطوات العملية. وأشارت هذه المصادر إلى أن لبنان مستعد للتجاوب مع أي طرح عملي ينهي هذا الملف تدريجياً، مع الحفاظ على المعايير القضائية اللبنانية. وبحسب المعلومات، فإن عدد الموقوفين السوريين يتجاوز الألفي شخص، أي ما يقارب 30% من مجمل السجناء في لبنان، بينهم نحو 800 متهمون بقضايا أمنية وبعضهم على علاقة بتفجيرات داخل لبنان، ما يجعل الملف شديد الحساسية سياسياً وأمنياً.
لكن الإرباك الأكبر يكمن في أن جزءاً كبيراً من هؤلاء السجناء لم يمثل بعد أمام القضاء، ما يفتح الباب أمام انتقادات حقوقية من جهة، وتجاذبات سياسية من جهة أخرى، خصوصاً أن بعض القوى اللبنانية يخشى أن يتحول الملف إلى ورقة تفاوض إقليمي أوسع بين بيروت ودمشق.
على خط موازٍ، عقدت مجلس الوزراء جلسة أقرّ فيها سلسلة من التعيينات المالية والادارية، أبرزها تعيين نواب حاكم مصرف لبنان وتثبيت الادارة الجديدة لتلفزيون لبنان، إضافة إلى تعيينات في الهيئة الوطنية للمخفيين قسراً ولجنة الرقابة على المصارف. وغاب عن الجلسة أي طرح لملف سلاح “حزب الله”، على الرغم من أن وزراء “القوات اللبنانية” حاولوا إدراج الرد اللبناني على “ورقة باراك” الأميركية على جدول الأعمال، من دون أن يثير ذلك انقساماً حاداً داخل الحكومة.
في هذا السياق، كان لافتاً أن يشيد رئيس الجمهورية جوزاف عون بجهود رئيس مجلس النواب نبيه بري في دعم مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، معتبراً أن الدور الذي يلعبه بري يشكل ركيزة أساسية في تثبيت الاستقرار الداخلي، وفي إعادة بناء مؤسسات الدولة على قاعدة واضحة: قرار الحرب والسلم يعود حصراً إلى المؤسسات الشرعية. وفي موقف عكس حرصاً على التهدئة الداخلية، شدد عون على أن تطبيق مبدأ حصرية السلاح ليس مجرد شعار سياسي بل مسار تدريجي يأخذ في الاعتبار مصلحة الدولة، ويحافظ في الوقت نفسه على السلم الأهلي والوحدة الوطنية. وأكد أن وحدة اللبنانيين وتعاونهم مع مؤسسات الدولة يبقيان الشرط الأساس لمواجهة التحديات الكبرى، سواء تلك المتعلقة بالسلاح أو بالملفات السيادية الأخرى.
في موازاة ذلك، علم “لبنان الكبير” أن الاجتماع المشترك بين هيئة مكتب مجلس النواب ولجنة الادارة والعدل أسفر عن تشكيل لجنة نيابية مصغرة مؤلفة من النواب آلان عون وجورج عدوان ومروان حمادة، لإعداد تقرير حول طلب رفع الحصانة عن النائب جورج بوشيكيان خلال أسبوعين، ليُعرض لاحقاً على الهيئة العامة للبت النهائي. كذلك يدور نقاش داخل البرلمان حول تشكيل لجنة تحقيق بملفات وزراء اتصالات سابقين: بطرس حرب، جمال الجراح ونقولا صحناوي. وتدور المشاورات حالياً حول إمكان مناقشة القضيتين في جلسة واحدة أو عقد جلستين منفصلتين، على أن يحسم رئيس المجلس نبيه بري هذا القرار لاحقاً.
وأفادت مصادر نيابية لـ “لبنان الكبير” بأن بري شدد على ضرورة الفصل بين قضايا الإهمال الإداري التي تُعرض على البرلمان، وملفات الفساد التي تُحال على القضاء، مشيراً إلى أن “اللفلفة” أو التغطية على القضايا باتت اليوم أصعب في ظل ضغط الرأي العام والمتابعة القضائية والاعلامية.
أما خارج الحدود، فعقدت وزارتا الخارجية والعدل الأميركيتان، بالتعاون مع الشرطة الأوروبية “يوروبول”، اجتماعاً دولياً موسعاً خصص لمكافحة الأنشطة غير المشروعة لـ”حزب الله”، بمشاركة ممثلين عن 30 دولة من القارات الخمس. وأكد المجتمعون أن الحزب لا يزال يشكل تهديداً أمنياً عالمياً، على الرغم من الضربات المالية والأمنية التي تعرض لها، محذرين من سعيه إلى توسيع شبكة تمويله وعملياته الخارجية، خصوصاً في إفريقيا وأميركا اللاتينية.
أما في الجنوب اللبناني، فالمشهد الميداني يزداد خطورة. التوغلات الاسرائيلية في الأراضي اللبنانية لم تعد مجرد خروق روتينية، بل باتت تحمل طابعاً استراتيجياً واضحاً يهدف إلى فرض واقع أمني جديد على الأرض. من وادي هونين إلى كفركلا ومرجعيون وبليدا، اجتازت الآليات العسكرية الاسرائيلية الحدود مراراً، رفعت سواتر ترابية، فجّرت منشآت مدنية، وأقامت نقاطاً جديدة، في ظل غياب ردع فعلي من المجتمع الدولي.
هذا التصعيد الميداني يأتي في كل مرة تشهد المنطقة حراكاً ديبلوماسياً، وكأن تل أبيب تحرص على وضع بصمتها الميدانية قبل أي تسوية سياسية محتملة. والأخطر، بحسب مصادر متابعة، أن إسرائيل لا تكتفي بمنع إعادة تموضع “حزب الله”، بل تسعى عملياً إلى إفراغ الشريط الحدودي من سكانه عبر عمليات ترهيب ممنهجة، شملت تدمير مصانع صغيرة ومنازل مدنية، لمنع عودة الحياة الطبيعية إلى القرى الجنوبية.
وهكذا يجد لبنان نفسه أمام مشهد معقد: ملف سجناء يشكل مادة تجاذب مع دمشق، حكومة تسعى إلى تثبيت إداراتها وسط العواصف، مسار داخلي يحاول بصعوبة تثبيت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، واجتماعات دولية تعيد تصنيف “حزب الله” كتهديد أمني عالمي، فيما الجنوب يواجه توغلات إسرائيلية متزايدة تهدد بفرض واقع حدودي جديد، بعيداً عن أي اتفاقات أو قرارات دولية.


