الأزمات في الشرق الأوسط تتحول على نحو متزايد إلى صراعات “عابرة للحدود الوطنية”، وتنتشر خارج الحدود الوطنية وتتشابك مع التجارة الاقليمية والعالمية.
ومن المجموعات المرتبطة بهذه الديناميكيات الاقليمية، محور المقاومة الذي ينظر إلى دوره كمعارضة “للإمبريالية” في المنطقة. ومن الأمثلة وفقاً لتقرير لـ”تشاتام هاوس”، وكلاء إيران في لبنان وقوات الحشد الشعبي في العراق ونظام الأسد في سوريا و”حماس” في غزة والحوثيون في اليمن. ومن الأمثلة الأخرى، حزب “العمال الكردستاني”.
وتمثل هذه المجموعات جزءاً من هياكل صنع القرار في الدول بما في ذلك لبنان وسوريا والعراق وإيران واليمن. وحسب التقرير، يمكن لهذه المجموعات طمس الخط الفاصل بين النشاط المشروع وغير المشروع، لأنها تعمل في المؤسسات الحكومية الرسمية وغير الرسمية وتؤثر عليها. فكيف تعمل هذه الجماعات وكيف تكتسب القوة؟
الإجابة مرتبطة حسب الموقع بالتجارة عبر الحدود كما في سياق سلاسل التوريد “القانونية” وسلسلة توريد المخدرات والديناميكيات حول “مركزين” رئيسيين للصراع في العراق. ويوفر فهم سلاسل التوريد نظرة ثاقبة حاسمة في ديناميكيات القوة الحقيقية التي تربط الشرق الأوسط، مع الاشارة إلى فشل استخدام الضربات العسكرية والعقوبات في الحد من الصراع أو التجارة غير القانونية.
وفي بعض الأحيان، يعمل استيراد المحاصيل كغطاء للتهريب (المنتجات الزراعية المحظورة، والمخدرات والأسلحة)، مثلاً إلى العراق وعبر بلاد الشام. ويتم ذلك من خلال السيطرة على المناصب الأمنية العليا والخدمة المدنية داخل الحكومة. ويشكل النفوذ والقرارات المتعلقة بالواردات والضرائب والممارسات التنظيمية حيث تسيطر الجهات الفاعلة المرتبطة بالجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران على العديد من هذه العمليات. وفي بعض الأحيان يتم تداول السلع المهربة مقابل الدولار الأميركي. والنتيجة، أصبح القطاع الزراعي عابراً للحدود الوطنية ومرتبطاً بصورة وثيقة بالجهات المسلحة.
وتترتب على سلسلة التوريد هذه عواقب وخيمة على المجتمع العراقي بينما تدمر الفصائل المسلحة الأراضي الزراعية سعياً إلى القضاء على المنافسة، ويتعرض السكان لمخاطر صحية، بما في ذلك حالات التسمم الغذائي بسبب المنتجات غير الخاضعة للتنظيم. وفرضت الحكومة العراقية بصورة متقطعة حظراً على استيراد بعض العناصر. ومع ذلك، أثبتت التدابير عدم فاعليتها تاريخياً؛ فشلت قيود مماثلة في العام 2020 في منع الشاحنات المليئة بالطماطم من الاستمرار في دخول العراق.
تجارة المخدرات
شهدت المنطقة على مدى السنوات الأخيرة، ارتفاعاً كبيراً في تجارة المخدرات، التي تشمل “الكبتاغون” و”الكريستال ميث”، وسواها. واستغلت الجماعات المسلحة نفوذها على المعابر الحدودية الرئيسية، لتسهيل الاتجار. وهذه الجماعات جزء لا يتجزأ من التحالفات الاقليمية الأوسع نطاقاً، وتستغل موقعها لتسهيل تجارة المخدرات والافادة منها. ولم تعمل هذه التجارة المتوسعة على تعزيز قوة هذه الجماعات المسلحة ونفوذها فحسب، بل أدت إلى تعطيل المجتمعات المحلية. كما تتصاعد قضية تهريب “الكبتاغون” إلى مشكلة عابرة للحدود الوطنية.
كما تؤثر المحاور الجغرافية المحددة أو “العقد” على تطوير تجارة المحاصيل والمخدرات. وأدت المنافسة على طرق التجارة المختلفة في القائم إلى ظهور أشكال جديدة من عدم الاستقرار والعنف. وأخيراً، مكنت هذه الديناميكيات الجديدة الشبكات في جميع أنحاء العراق وسمحت لها باكتساب موطئ قدم في سوريا المجاورة، ما أدى إلى زيادة حركة الأسلحة والمخدرات عبر الحدود.
التداعيات السياسية
ويسلط التحليل الضوء على قضية حاسمة: الجهات الفاعلة والشبكات التي تسيطر على التجارة غير الضارة ظاهرياً، مثل المحاصيل أو الأدوية، هي نفسها التي تسيطر على سلاسل التوريد غير القانونية والخطيرة مثل المخدرات والأسلحة. وتعتمد هذه الجهات الفاعلة على الاتصال بالحكومات المحلية والوطنية، من خلال الفساد المعتمد سياسياً، للوصول إلى أموال الدولة والحفاظ على سلطتها على سلاسل التوريد ومراكز الصراع.
وتم تمكين هذه الجهات الفاعلة بصورة أكبر من خلال اتصالها الوطني. ومع ذلك، فإن صنع السياسات الدولية في الشرق الأوسط يستهدف عادة الأبعاد المحلية أو الوطنية للصراع، من دون النظر في الديناميكيات الاقليمية أو عبر الوطنية الأوسع أو التعامل معها بصورة فاعلة. وتتطلب السياسات الفاعلة فهماً للديناميكيات العابرة للحدود الوطنية للصراع حيث أن العقوبات والضربات العسكرية، غالباً ما تكون غير فاعلة.
ولا يمكن تحقيق المساءلة إلا من خلال إشراك الجهات الفاعلة داخل هذه الشبكات العابرة للحدود الوطنية: على سبيل المثال، من خلال تسهيل الاتفاقيات عبر الحدود وتبادل المعلومات حول الاتجار بالمخدرات بين البلدان. كما ينبغي للسياسات أن توفر موارد إعادة التأهيل والفرص الاقتصادية في شكل سبل عيش بديلة ومستدامة، لمنع المزيد من المجتمعات في العراق ولبنان وسوريا من الانخراط في تجارة المخدرات.
ومن الناحية الأساسية، يتعين على صنّاع السياسات أن يتجاوزوا الثنائيات الزائفة وأن يؤسسوا استجاباتهم السياسية بناء على الديناميكيات العابرة للحدود الوطنية التي تشكل الصراع في منطقة الشرق الأوسط.


