بينما كانت قاعة البرلمان اللبناني تعجّ بخطابات “المساءلة” التي لا تلد مساءلة، كانت إسرائيل تكتب الفصل الأخطر من المشهد بقنابلها، لا بنقاشاتها. في الداخل، جلسة نيابية بثّتها الشاشات أشبه بمسرحية مستهلكة: فريق سيادي يرفع شعار الدولة، فريق ممانع يرفع شعار المقاومة، و”التيار الوطني الحر” يتقمص دور القديس وهو في جوهره شريكٌ في الخراب. لا أحد خرج من جلده، لا في الموقف ولا في الطرح، أما الدولة فهي الغائب الأكبر.
وعلى وقع السجالات في بيروت، دوّت الانفجارات في البقاع. إسرائيل قصفت السلسلة الشرقية، أحد صواريخها سقط قرب ثانوية شمسطار الرسمية حيث كان طلاب الشهادة يخضعون للامتحانات، وقُتل 12 شخصاً في غارة بقاعية أخرى، 6 منهم من عائلة واحدة. “حزب الله” اتهم الدولة بالصمت غير المجدي، لكن ما لم يقله هو: من جرّ البقاع إلى هذا المصير؟ ومن حوّله إلى مسرح تصفية حسابات إقليمية؟
في السويداء، الدم يسيل، والرسائل تتقاطع. الطائرات الاسرائيلية تقصف، تقول إنها تحمي دروز سوريا تضامناً مع “أشقائهم” في اسرائيل، لكن الحقيقة أنها تحاول تأديب دمشق الجديدة، وتفجير جبل العرب من الداخل. وئام وهاب في بيروت يدعو الى تأسيس “جيش التوحيد”، وطلال أرسلان ينعى الدولة السورية، والشيخ حكمت الهجري يتراجع عن اتفاق وقف النار تحت وطأة “الضغط الخارجي”، فيما دمشق ترد باتهام إسرائيل بمحاولة نسف وحدة البلاد. وحده وليد جنبلاط يدعو الى الحوار، لأن الحرب لا تحمي أحداً، لا في لبنان ولا في سوريا.
الرد الأميركي على الورقة اللبنانية وصل، وتوم باراك “مسرور نسبياً”. طرح المهلة الزمنية لنزع السلاح بات على الطاولة، مرفقاً بصور وآلية مراقبة دولية. في المقابل، أعلن مصرف لبنان حظر التعامل مع “القرض الحسن”، فصفق باراك عبر منصة “إكس” وبارك الخطوة. لكن السلاح باقٍ، والجدل باقٍ، والتفكك باقٍ.
في قلب الجلسة النيابية، كانت السيادة المفقودة تتصدر الشعارات، جبران باسيل يتحدث عن “شراء وقت”، وسامي الجميّل عن “عبء المقاومة”، وجورج عدوان عن “آخر فرصة”، والمعارضون يصرخون بلا صدى، فيما ممثلو “حزب الله” يحاضرون في الوطنية ويطلبون سلاحاً للجيش، لا لينازعهم السلاح، بل ليمنحهم شرعية في إدارة اللاحرب واللاسلم.
الجلسة كانت “لزوم ما لا يلزم”. رئيس المجلس أرادها “جلسة إسناد”، والحكومة سترد اليوم، ولكن أي حكومة؟ حكومة تنتظر الاتفاق الأميركي – الايراني أم حكومة تؤجل الانفجار بالتسويف؟
كل ذلك، وإسرائيل تتصرف وكأنها الطرف الوحيد الذي يقرأ اتفاق وقف إطلاق النار، بل وتعدّل عليه من طرف واحد. فهي لم تكتفِ بجنوب الليطاني، بل تمددت إلى البقاع، مستهدفة ما تسميه إعادة بناء قدرات “حزب الله”. الغارات كانت سياسية بقدر ما كانت عسكرية، ورسالة بالنار بالتزامن مع كل اجتماع وورقة وتفاوض.
أما في الجنوب السوري، فالجيش الاسرائيلي استهدف السويداء بذريعة “تحالف الأخوة مع الدروز”، والنتيجة كانت قتل مدنيين وعناصر من الجيش السوري، وقصف مدينة كانت حتى الأمس القريب منسية من كل معادلات الحرب. وهنا، لم يعد السؤال من يحمي دروز السويداء، بل من يجرّهم إلى الذبح باسم الحماية؟
في إسرائيل، حكومة بنيامين نتنياهو على حافة التفكك، الحريديم وحركة شاس يلوّحون بالانسحاب، والمشهد الاسرائيلي مأزوم كالمشهد اللبناني، لكن الفرق أن الدولة هناك تتخذ القرار، وتنفّذ، ولو على حساب الآخرين.
في النهاية، ما بين ثرثرة القبة وهول الانفجارات، يتكرّس مشهد لبناني – سوري واحد: دول تتفكك، فصائل تتناحر، وإسرائيل تستثمر. أما الدولة، فإما متفرجة، أو متواطئة، أو عاجزة… وفي كل الحالات، مدانة.


