إسرائيل تعاود القصف… السعودية تستثمر الكثير في سوريا

لبنان الكبير / مانشيت

ما إن غادر الموفد الأميركي توماس باراك بيروت، بعد جولة مفاوضات شملت لقاءً أساسياً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، حيث نُقل إليه موقف “حزب الله” الرافض لأي نقاش في مسألة السلاح قبل التزام إسرائيل الكامل بوقف اعتداءاتها وانسحابها من الأراضي المحتلة، حتى عاودت إسرائيل التصعيد العسكري، منفذةً سلسلة غارات عنيفة على جنوب لبنان. مصادر حكومية وصفت لـ”لبنان الكبير” هذا التصعيد بأنه “ترجمة فعلية لسياسة العصا” التي تعتمدها تل أبيب، خصوصاً أن باراك كان قد وضع “الجدول الزمني لنزع سلاح حزب الله” بعهدة إسرائيل. ولم تكتفِ تل أبيب بجبهة الجنوب اللبناني، بل وسّعت نطاق تهديداتها إلى الداخل السوري، حيث صرّح رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو قائلاً: “علينا أن ننزع السلاح في المنطقة الواقعة جنوب دمشق، وأن نحمي الدروز… ولا أستبعد تغيير النظام السوري إذا تم المسّ بالدروز في السويداء”.

بينما كانت الطائرات الاسرائيلية تحوّل الجنوب اللبناني إلى مسرح تصعيد، كان قصر الشعب في دمشق يشهد حدثاً غير مسبوق منذ سنوات: المنتدى الاستثماري السوري – السعودي. في مؤشر على تحولات إقليمية عميقة، أعلن وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح عن توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين شركات سعودية ومؤسسات سورية بقيمة تتجاوز 6.4 مليارات دولار، في قطاعات تشمل الطاقة، البنية التحتية، الاتصالات، الصناعة، التعليم، الزراعة والصحة.

الأهم من ذلك، أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أمر بتأسيس مجلس أعمال سعودي – سوري بعضوية نخبة من كبار رجال الأعمال، في ما وصفته مصادر ديبلوماسية بأنه “تتويج للاندفاعة السعودية نحو سوريا الجديدة”، بعد سقوط النظام السابق ووصول السلطة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع.

ليل الخميس، شنت طائرات حربية اسرائيلية سلسلة غارات عنيفة استهدفت مرتفعات الريحان، الجرمق، برغز، وأنصار، وصولاً إلى عيتا الشعب، حيث استهدفت سيارة مدنية وأوقعت قتيلاً يُدعى مصطفى حاريصي. الجيش الاسرائيلي زعم أن الغارات استهدفت “مواقع عسكرية لحزب الله”، مشيراً إلى منصات قذائف صاروخية ومستودعات أسلحة، واصفاً وجود هذه “الوسائل القتالية” بأنه خرق فاضح لتفاهمات ما بعد وقف إطلاق النار.

الرد الاسرائيلي لم يكن عسكرياً فقط، بل جاء برسائل سياسية موجهة الى لبنان وسوريا، مفادها أن مسار نزع السلاح لن ينتظر التسويات ولا المبادرات، بل سيفرض بالقوة وبوتيرة تحددها تل أبيب، لا الوساطات الدولية. هذا التوجه ينسجم تماماً مع “تفسير باراك” للقرار 1701، والذي يجعل “مدة التفاوض على نزع السلاح” بيد إسرائيل، لا لبنان.

الأموال تتدفق.. و”إعادة الاعمار” تنطلق

في دمشق، شملت الاتفاقيات السعودية – السورية مشاريع استراتيجية متعددة، عكست حجم الانخراط السعودي في إعادة إعمار سوريا تحت السلطة الجديدة. من بين الاتفاقيات البارزة، مشروع إنشاء ثلاثة مصانع إسمنت، يهدف إلى تأمين المواد الأساسية للبناء وإعادة الاعمار، إضافة إلى خطط طموحة لتحديث البنية السيبرانية وتعزيز الأمن الرقمي بالتعاون مع وزارة الاتصالات السورية، بتمويل يناهز مليار دولار.

كما تم الاعلان عن إطلاق تعاون مالي مباشر بين “مجموعة تداول السعودية” وسوق دمشق للأوراق المالية، ما يشير إلى محاولة سعودية لربط سوريا بنظام اقتصادي إقليمي أكثر انفتاحاً وحداثة، وكسر عزلتها المالية التي امتدت لسنوات. إلى جانب ذلك، وُقّعت اتفاقيات في قطاعات الزراعة والمياه والصناعات التحويلية، بما فيها مشاريع زراعية نموذجية ومرافق للري الحديث، تهدف إلى تأمين الأمن الغذائي وخلق فرص عمل في الأرياف.

ولم يغب البُعد الاجتماعي عن هذا التوجه، بحيث تعهدت شركة “بيت الإباء” السعودية بإنشاء مشروع سكني وتجاري ضخم في مدينة حمص، مع تخصيص جزء من عائداته لبرامج الدعم الاجتماعي، ما يُشكّل إشارة رمزية إلى تقاطع الربح الاقتصادي بالبعد الإنساني.

وأكد وزير الاقتصاد السوري محمد نضال الشعار أن سوريا “تشهد تحركاً حقيقياً نحو النمو والازدهار”، واصفاً المنتدى بـ”اللحظة التاريخية” في مسار العلاقات الثنائية. وقدّم معاون محافظ دمشق خريطة استثمارية شاملة تركّز على إعادة تطوير المناطق المتضررة، إضافة إلى إطلاق مناطق منظمة وجاهزة للبناء، ما يدل على دخول سوريا في مرحلة التخطيط الهيكلي لما بعد الحرب.

أما وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، فحرص على تسليط الضوء على الدور الإيجابي لأكثر من 2600 رائد أعمال سوري يقيمون في المملكة، داعياً المستثمرين السوريين إلى زيارة السعودية، حيث “الأبواب مفتوحة والدعم متاح”، على حد قوله. وشدد على أن “المرحلة المقبلة ستشهد اندماجاً اقتصادياً أعمق بين البلدين، بموازاة استقرار سياسي تتولّى المملكة المساهمة في ترسيخه”.

هذه الدينامية الاستثنائية في العلاقات السورية – السعودية جاءت تتويجاً لتسارع لافت في العلاقات منذ سقوط النظام السابق، حين سارعت الرياض إلى الاعتراف بالسلطة الانتقالية، وقدّمت مساعدات مالية عاجلة لدعم مشاريع خدمية في مناطق منكوبة.

في المقابل، تبقى إسرائيل، التي كانت تروّج طوال سنوات لـ”عزل سوريا واحتواء حزب الله”، أمام واقع إقليمي جديد عنوانه: إعادة تأهيل دمشق عربياً، لا بإملاءات غربية، بل بمبادرات خليجية واستثمارات سعودية ضخمة تتقدّم على ركام الحرب.

بينما تل أبيب تقصف، تستثمر الرياض… وبينما تهدد إسرائيل بتغيير النظام في الجنوب السوري، تبرم السعودية العقود لبناء ما بعد الحرب.

في هذا المشهد المتحوّل، يبدو لبنان عالقاً بين نموذجين متناقضين: نموذج الجنوب اللبناني حيث لغة النار تفرض إيقاعها، ونموذج دمشق حيث لغة المال تفتح أبواب الإعمار والانفتاح. وبينما يستمر الضغط الدولي على لبنان تحت عنوان “نزع السلاح”، تُكرّس السعودية في سوريا منطق الشراكة والاستثمار كرافعة للاستقرار.

السؤال الذي يفرض نفسه: هل يُكتب للبنان أن يبقى رهينة التوازنات المتفجرة، فيما جيرانه يخرجون تدريجاً من نفق الحرب نحو مشاريع إعادة البناء، أم أن لحظة انفراج لبنانية قد تفرضها التحولات الكبرى في الاقليم… إذا أُحسن التقاطها؟

شارك المقال