انتقل الاحتلال من مرحلة إدارة الصراع إلى حسمه تماماً. هذا بدأ يتضح منذ عام 2017، حين أعلن رئيس حزب “الصهيونية الدينية” بتسلئيل سموتريتش خطة “الحسم”، تبعتها قرارات من الكنيست بدأت بقانون “يهودية الدولة” عام 2018، ومن ثم أتت “صفقة القرن” عام 2020، والاعتراف الأميركي بسيادة الاحتلال على الجولان السوري. وتضمنت خطوات خطيرة: كل المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية ستُضم الى “إسرائيل”، وادي الأردن سيكون تحت السيادة الأسرائيلية، القدس غير مقسمة عاصمة لـ”إسرائيل”، نزع سلاح المقاومة وأن تكون غزة وسائر الدولة الفلسطينية المستقبلية منزوعة السلاح. وبالتالي، نفذ الاحتلال خطواته تلقائياً وتدريجياً وصلت إلى إلغاء وزير الأمن السابق يوآف غالانت في أيار 2024، قانون “فك الارتباط” في شمال الضفة الغربية أي مناطق “أ” وفقاً لتفاهمات أوسلو. وهذا القانون سرى عام 2005، وقضى بانسحاب جيش الاحتلال وتفكيك المستوطنات في غزة وشمال الضفة الغربية. ربط غالانت، بين تنامي المقاومة في شمالي الضفة وهجوم “طوفان الأقصى” من القطاع، إلا أن ذلك ضمن خطة أوسع وأشمل بحيث ارتفع منسوب الاستطيان في الضفة وشرق القدس ودمرت مبانٍ فلسطينية تحت ذرائع “عدم وجود تصريح”، إضافة إلى حمى تشريعات الكنيست المتلاحقة.
الكنيست المسعور
منذ 2022 أي بعد تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، أقر برلمان الاحتلال أكثر من 15 قانوناً وقراراً بصورة نهائية وعشرات القوانين قيد التشريع أو في القراءات الأولى وبعضها مدرج للنقاش من دورات سابقة، وأخرى تم سنها مع إعلان حالة الطوارئ بعد 7 تشرين الأول 2023 ويتم تجديدها. وتتناغم القوانين كلها مع البند الأول من “خطة الحكومة/ الاعلان الوزاري” بحيث ورد فيه: “للشعب اليهودي حق حصري وغير قابل للتصرف على جميع أنحاء أرض إسرائيل (..) وستعمل الحكومة على دعم الاستيطان وتطويره في كل أراضي إسرائيل، في الجليل، في النقب، في يهودا والسامرة (الضفة)”. وتتعلق القوانين بالضم والاستيطان، والإعدام وتغليظ العقوبات والعقوبات الجماعية، والتضييق على الأسرى والتنكيل بهم، وأموال الضرائب الفلسطينية، وحماية جنود من التحقيقات وتوثيق ممارساتهم، وقيود على النشاط السياسي لفلسطينيي الداخل والعلَم الفلسطيني، والتمييز ضد فلسطينيي الداخل، وتشديد قوانين الهجرة.
أما في العام الحالي، فبدأت موجة مسعورة من التشريعات استهلت بقانون لفصل موظف في جهاز التربية، ومنع ميزانيات عن مؤسسة تعليمية معترف بها حال ثبوت دعم أيّ منهما لـ”الإرهاب” في إشارة إلى المقاومة الفلسطينية، ويستهدف خصوصاً فلسطينيي القدس والـ48. وتبعه تعديل قانون أساس “القدس – عاصمة إسرائيل” ويشمل حظر فتح ممثليات ديبلوماسية في شرق القدس لتقديم خدمات للفلسطينيين، وهو بمثابة تعديل على قانون ضم القدس المحتلة، وإقرار قانونين يحظران عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) التابعة للأمم المتحدة، في المناطق الواقعة تحت ما يسمى “السيادة الاسرائيلية” وهنا القصد تحديداً القدس الشرقية المحتلة (وحين تفرض السيادة على الضفة يشملها القانون). أما القرار الكبير فكان في 17 تموز وهو قرار يرفض “بشكل قاطع” قيام دولة فلسطينية في أي مكان في فلسطين التاريخية، أو حسب نص القرار “في أرض إسرائيل” و”غربي نهر الأردن”. وسبقه في شباط إقرار الكنيست بياناً مقتضباً، عرضه نتنياهو، يقول: “ترفض إسرائيل بشكل قاطع، إملاءات دولية في مسألة الحل الدائم مع الفلسطينيين”. يضاف إليه قانون حكومي ينص على إلغاء المواطنة، أو تصريح الإقامة الدائمة لكل من يرتكب “عملاً إرهابياً”، بموجب التعريف الاسرائيلي للإرهاب، أو حرّض على الإرهاب، أو نشر مديحاً للأعمال ومرتكبيها، خلال حالة الحرب، وحُكم عليه بالسجن 5 سنوات أو أكثر، وكان يتلقى مخصصات من السلطة الفلسطينية، أو منظمة التحرير الفلسطينية، أو أي جهة من طرفها.
في الأثناء، يعمل الكنيست على إقرار مشروع قانون يقيد أكثر نشاط السلطة الوطنية الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة “فتح”، في المناطق الواقعة تحت ما يسمى “السيادة الاسرائيلية”، وهنا مدينة القدس الشرقية المحتلة. ومشروع أخر يجيز لمركز جباية الغرامات الحكومي الاسرائيلي جباية غرامات فرضتها المحاكم العسكرية، على الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة إضافة إلى مشروع قانون يلزم الحكومة الاسرائيلية بأن تصرف شهرياً قسماً من أموال الضرائب الفلسطينية، يوازي ما أنفقته مقابل أضرار تكبدتها من عمليات فلسطينية في نَواحٍ مختلفة، وصرف أموال “المقاصة” الفلسطينية المجمدة في وزارة مالية الاحتلال، وفرض عقوبات على البنوك الفلسطينية. وفي ما يتعلق بالأرض، يعمل الكنيست على إقرار مشروع قانون لضم الآثار في الضفة الغربية الى صلاحيات سلطة الآثار الاسرائيلية، قانون يقضي بضم مستوطنات جنوب مدينة الخليل، إلى ما يسمى “سلطة تطوير النقب”، وهو أحد مشاريع “قوانين الضم”. يضاف إلى مشروع قانون يقضي بفرض ما يسمى “السيادة الاسرائيلية” على منطقة غور الأردن المحتلة، ومشاريع قوانين لاعادة الاستيطان في قطاع غزة وبإغلاق “المعابر” الاسرائيلية مع قطاع غزة كافة، بصورة دائمة، (وليس خلال الحرب فقط)، وقطع إمداد الكهرباء والماء، ونقل البضائع في الاتجاهين.
في حين صدرت قوانين تخص الأسرى والتضييق عليهم وسجن أطفال دون الـ14 عاماً، واحتجاز جثامين الشهداء، ووصلت الأمور إلى تشريع قانون يجيز طرد أهالي أي مقاوم من أراضي الـ48 وعقوبات مشددة بالسجن لمن يساعد مقاوماً أو ينقل عاملاً فلسطينياً لا يملك تصريحاً. ومدد الكنيست سريان قانون يحرم آلاف العائلات الفلسطينية من لم الشمل، والتي أحد الوالدين فيها من الضفة الغربية أو قطاع غزة، وأيضاً من لبنان أو سوريا أو العراق أو إيران.
سرطان الاستيطان
وسعت حكومة الاحتلال، منذ العدوان على غزة في تشرين الأول 2023، عمليات الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، وخصصت ميزانية ضخمة لهذا الهدف من أجل تطوير شبكات الطرق الخاصة بالمستوطنات والبنى التحتية المطلوبة لعمليات البناء. وصادرت 24 ألف دونم من أراضي الضفة خلال 2024، وأنشأت مشاريع لجذب المزيد من المستوطنين إلى المنطقة. وتعمل المنظمات الاستيطانية على رفع عدد المستوطنيين في الضفة إلى مليون مستوطن في العام المقبل، في زيادة تقارب 300 ألف شخص. ووفقاً لخطة سموتريتش، ستضم ثلاث مناطق رئيسية، منطقة الأغوار ومنطقة العزل الواقعة عند جدار الفصل والمستوطنات الواقعة بين غرب الضفة وشرقها (مثل تجمع أرئييل والمستوطنات في الأغوار). كما سيتم ضم تجمع معاليه أدوميم، الفاصل بين رام الله وسلفيت ويمتد حتى البحر الميت، وتجمع غوش عتصيون الفاصل بين الخليل وبيت لحم. وهنا، يظهر أن السيطرة على الضفة الغربية وشرق القدس لن تكون أمنية وعسكرية وحسب، إنما ديموغرافية وبالكتل السكانية الاستيطانية.
يتبع


