لم تكن تشريعات الكنيست والاجراءات على الأرض سوى فرض أمر واقع، لتنفيذ خطة “الحسم” لسموتريتش، القائمة على قوله إن “الإرهاب ينبع من اليأس كذبة. الإرهاب ينبع من الأمل؛ الأمل في إضعافنا”. لذلك يكمن الحل برأيه في إفقاد الفلسطينيين أي أمل في إقامة كيان وطني خاص بهم، وذلك من خلال “الحسم” الاستيطاني، وتشجيع الهجرة، والأهم من ذلك “الحسم” العسكري. ويحدد سيناريوهين، الأول: الإبقاء على السكان الفلسطينيين الذين يتخلون عن طموحاتهم الوطنية كأفراد مقيمين في “الدولة اليهودية”. والثاني: يتفرع إلى فرعين، يتعلق بالتعامل مع من لا يريد التخلي عن تطلعاته الوطنية؛ فإما التهجير الطوعي، أو (وفي حال استخدام الرافضين العنف ضد “إسرائيل”) سيتم التعامل معهم باستخدام القوة المفرطة و”الحسم” العسكري.
وبالتالي، لا بد من إضعاف السلطة حتى انهيارها والعمل على تهجير فلسطينيي الضفة كمرحلة أولى إلى الأردن. أما من يبقى منهم في الضفة، فيشير سموتريتش إلى أنه سيكون لفلسطينيي 1967 الحق في التصويت على النظام الذي سيدير حياتهم اليومية، بحيث يتم تقسيم الحكم الذاتي لفلسطينيي الضفة الغربية إلى ستّ حكومات بلدية إقليمية يتم انتخابها في انتخابات ديموقراطية، وهي بلديات الخليل، بيت لحم، رام الله، أريحا، نابلس وجنين.
ويوضح الهدف من التقسيم، أنه “سيؤدي إلى حكومات بلدية إقليمية وتفتيت الجماعة الوطنية الفلسطينية والتطلعات إلى تحقيقها، لكنه في الوقت نفسه سيحافظ أيضاً على الانقسام القبلي – العشائري وبالتالي يسمح بوجود نظام مستقر لادارة الحياة اليومية”. ووفقاً للخطة الكبرى لتكون “إسرائيل” من البحر إلى النهر، لا يُعرف حتى الآن هل سيكون ضم الضفة (أو أجزاء منها إلى الدولة)، أو فرض السيادة الاسرائيلية على الضفة وشرق القدس؟ ويتضح أن نتنياهو ينادي بالضم أما سموتريتش فيتحدث عن فرض السيادة. وفي تصريح رسمي، قبل أيام، أعطى سموتريتش تعليماته الى إدارة الاستيطان والادارة المدنية (تتبعان وزارة الأمن) للبدء بإعداد البنية التحتية اللازمة لتطبيق “السيادة”. وفي تغريدة على منصة “إكس”، قال: “إن 2025 سيكون عام السيادة الاسرائيلية على “يهودا والسامرة” (الضفة)”. وبعد ساعات من تصريحاته، نقلت هيئة البث الاسرائيلية، عن نتنياهو “ضرورة إعادة قضية ضم الضفة الغربية الى جدول أعمال حكومته عند تسلم الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب مهامه في 20 يناير/كانون الثاني المقبل”.
وبالنسبة الى الفرق بين الاجراءين، ففرض القانون الاسرائيلي على مستوطني الضفة يعني خضوعهم للقوانين المدنية الاسرائيلية، وخروجهم من تحت سلطة الحاكم العسكري ووزير الأمن، وهذا مخالف للقوانين الدولية كون المستوطنات تقع في أرض محتلة. أما “الضم” فيكون لأراضٍ احتلت عسكرياً، وفي الحالة الفلسطينية، والمنطقة “ج” تحديداً، فإن إعلان الضم قرار سياسي بحاجة الى أن يتحول إلى قرار قانوني، وهذا يتم من خلال السلطة التشريعية بحيث يقر الكنيست بفرض القانون الاسرائيلي على الأراضي المضمومة، وهو ما ينتج عنه فرض السيادة. وسيكون مصير الفلسطينيين في المنطقة “ج” في حال الضم وفرض السيادة أمام ثلاثة احتمالات: الحصول على الجنسية الاسرائيلية بكامل الحقوق وهو خيار مستحيل. نيلهم “إقامة دائمة” وهي حالة تشبه وضع فلسطينيي شرق القدس وهذا احتمال ضعيف. أما المرجح فهو الخيار الثالث واعتبارهم مواطنين فلسطينيين يقيمون في أرض تابعة لدولة “إسرائيل” مع احتفاظهم بهوياتهم الفلسطينية والخدمات المقدمة لهم من السلطة الفلسطينية، لكن مع تقييد البناء.
مواجهة حتمية
يترقب نتنياهو ومعه تحالفه الحكومي اليميني تنصيب ترامب، ومهد السفير الأميركي المقبل إلى “إسرائيل” مايك هاكابي، لموافقة واشنطن على خطة إسرائيل لضم الضفة الغربية، وقال في مقابلة مع إذاعة جيش الاحتلال، إن “إمكان موافقة إدارة الرئيس ترامب على ضم الضفة للسيادة الإسرائيلية وارد في الحسبان”. وأضاف: “لا أحدد السياسات بل أنفذ سياسة الرئيس ترامب، الذي أثبت بالفعل خلال فترة ولايته الأولى أنه لا يوجد رئيس أميركي أكثر دعماً لترسيخ فهم السيادة الاسرائيلية… من نقل السفارة للقدس، والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان.. لم يفعل أحد أكثر من الرئيس ترامب، وأتوقع أن يستمر ذلك”. وكذلك استبق الاحتلال تنفيذ الخطوة بالتضييق على السلطة مالياً وسياسياً وأمنياً، ما يضعها أمام خيار واحد وهو قرار المواجهة لأنها في هذه الحالة تخسر أراضٍ شاسعة بسكنها وليس السيادة فقط. فكيف ستكون طبيعتها؟
على المستوى السياسي، لا بد من تجميد الاعتراف بـ”إسرائيل” أو تعليقه، والانسحاب من اتفاقية باريس الاقتصادية، إضافة إلى تشكيل “لوبي” عربي وعالمي للضغظ ومنع أي اجراءات للاحتلال. هذه النقاط يدرسها المسؤولون في المقاطعة حالياً، كما يقول مصدر فلسطيني. أما على المستوى الشعبي، فالسلطة ستواجه سلمياً وشعبياً عبر الاضرابات الشاملة والتظاهرات ويمكن أن تتطور هذه المساحة لتتحول إلى عسكرية. وإذا حصل ذلك فنحن أمام الانفجار الكبير. ولخصت صحيفة “هآرتس” الاسرائيلية هذا الموقف في مقال بعنوان “في طريقها إلى الضم، إسرائيل تتسبب عمداً في انهيار اقتصادي في الضفة الغربية”، أنه “عندما يندلع الجحيم في الأراضي المحتلة بالضفة الغربية، فإن السابع من أكتوبر/تشرين الأول سوف يبدو وكأنه نزهة في الحديقة. فهناك كمية هائلة من الأسلحة هنا، وحياة العرب واليهود متشابكة”.


