“غضب الأهالي” في الاستحقاقات الداخلية

محمد شمس الدين

في اليومين الأخيرين، كان المشهد جنوبياً بامتياز؛ إذ اقتحم أهالي القرى الحدودية بلداتهم، متحدّين التهديدات الاسرائيلية، بمواكبة من عناصر الجيش اللبناني لحمايتهم قدر الامكان من الاعتداءات. جاء القرار من واشنطن بوجوب تمديد مهلة وقف اطلاق النار حتى 18 شباط، وأعلن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي قبول لبنان الرسمي بهذا التمديد، بعد إجراء مشاورات داخلية وخارجية.

وعاد رئيس مجلس النواب نبيه بري ليؤكد أنه اشترط وقفاً فورياً لإطلاق النار والخروق وتدمير المنازل، إضافة إلى معالجة قضية الأسرى. في المقابل، شدد الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، على أن المقاومة لها الحق في التصرف بما تراه مناسباً من حيث شكل المواجهة وطبيعتها وتوقيتها، رداً على الاحتلال الذي يعتدي ويرفض الانسحاب.

خصوم “حزب الله” اعتبروا أن المشهد الجنوبي مدبّر من الحزب، الذي يسعى الى استثماره داخلياً لفرض واقع سياسي على رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة المكلف نواف سلام، اللذين جرى انتخابهما رغماً عن إرادته. وما زاد من حدة المشهد السياسي هو تنظيم مسيرات لمناصري الحزب في شوارع بيروت، حيث دخلت الدراجات النارية مناطق محسوبة على بيئة مناوئة للحزب.

بعيداً من مشهد المسيرات، لا يُخفي “حزب الله” وحركة “أمل” دعمهما العلني لتحركات أهالي القرى الحدودية. ووفق مصدر مقرب من الثنائي الشيعي، فإن الحركة والحزب هما في الأساس “نتاج إرادة هؤلاء الأهالي في تحرير أرضهم من الاحتلال الإسرائيلي”، موضحاً أن أهالي الجنوب لطالما انخرطوا في تنظيمات هدفها تحرير الأرض. وبالتالي، فإن أهدافهم تتطابق مع أهداف “حزب الله” وحركة “أمل”.

أما بشأن العلاقة بين تحركات الجنوب والاستحقاقات الداخلية، فيرى المصدر أن العكس هو الصحيح، مشيراً إلى أن “خصوم الثنائي الشيعي يشنون حملة تتهمه بالوقوف خلف هذه التحركات لفرض واقع سياسي داخلي، والضغط على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لعزل الثنائي عن المشاركة في الحكم في العهد الجديد”. ويؤكد المصدر أن الثنائي “لم يربط يوماً بين التحرّكات الجنوبية والاستحقاقات الداخلية، وإلا لكان فرض انتخاب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية منذ سنتين، في ظل النفوذ الايراني القوي آنذاك”.

كما يلفت المصدر إلى أن “حزب الله” وحركة “أمل” لطالما اعتبرا تحرير الأرض وتعزيز قوة لبنان للتصدي للعدوانية الاسرائيلية أولوية. أما في ما يتعلق بالاستحقاقات الداخلية، فقد تختلف رؤية الثنائي، ولعل أبرز دليل على ذلك انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية عام 2016، علماً أنهما اختلفا في العديد من الملفات على مدار السنوات الثلاثين الماضية وحتى اليوم. وبالتالي، لا يمكن القول إنهما يحاولان فرض أمر واقع، لكن لا يمكن أيضاً تخطيهما كمكوّن أساسي في البلد أو عزلهما، وهو ما أثبتاه خلال استحقاقات سابقة، حتى في أوج الخلافات الداخلية.

ويقول المصدر: “إن حل عقدة الثنائي الشيعي بالمشاركة في السلطة بسيط وسهل جداً، وذلك عبر تطبيق اتفاق الطائف بكامل مندرجاته، بما يشمل إنشاء مجلس شيوخ، إجراء انتخابات خارج القيد الطائفي، وتطبيق المداورة في وظائف الفئة الأولى. عندها لن يبقى للثنائي ذريعة للتمسك بحصته التي يحصل عليها وفق الأعراف المعمول بها في البلد”.

وبالنسبة الى المسيرات التي دخلت مناطق معارضة للثنائي، يوضح المصدر أن “هذه التحركات عفوية وغير منضبطة، تشبه جمهور كرة القدم في عشوائيتها. ويجب أن تكون كل مناطق لبنان مفتوحة لكل اللبنانيين، من دون أن تستفز أحداً. ومع ذلك، يفضل تجنّب هذه التحركات في ظل استغلال السياسيين لها لتأجيج التوترات”.

بعد انتهاء حرب تموز 2006 وتثبيت القرار 1701، عاد الجنوبيون في اليوم التالي إلى قراهم متحدّين الاحتلال الاسرائيلي. ومع تغيّر الظروف، صبر الجنوبيون على الاحتلال لمدة 60 يوماً، لكنهم لن يقبلوا ببقاء قراهم محتلة. يبدو اليوم أنهم ينتهجون المقاومة المدنية لتحرير الأرض، على الأقل في المدى المنظور، بعيداً من كل المتغيرات الاقليمية أو التوازنات الداخلية، فالحقّ في الأرض ثابت لأصحابها مهما طال الزمن.

شارك المقال