محاولة اسرائيلية لتهويد موقع العباد… بمزاعم دينية

محمد شمس الدين

لطالما انتهجت اسرائيل استراتيجية توظيف الرموز الدينية لتكريس احتلالها، ويبدو أنها وضعت نصب عينيها موقع العباد في بلدة حولا، حيث أقدمت مجموعات من المستوطنين الإسرائيليين المتدينين على زيارته بزعم أنه يضم ضريح الحاخام “راب آشي”، أحد أبرز الشخصيات في التراث الديني اليهودي.

وعلى الرغم من تراجع الجيش الاسرائيلي عن السماح لهم بزيارة الموقع لأسباب أمنية، أقدم نحو 20 مستوطناً من الحريديم الحسيديم على التسلل إلى الضريح، حيث قام الجيش بإعادتهم واعتقال ثمانية منهم. لكن هذه المحاولات لم تتوقف، إذ كشفت وسائل إعلام عبرية أن الجيش الاسرائيلي يخطط لتنظيم زيارات دورية إلى الموقع تحت مبررات دينية.

وتشكل هذه الخطوة جزءاً من سياسة إسرائيلية ممنهجة، سبق أن استخدمتها في الضفة الغربية وغزة وسيناء وحتى داخل فلسطين المحتلة، حيث تم الاستيلاء على العديد من المقامات والأضرحة وتحويلها إلى مواقع “مقدسة” لليهود، ما أدى لاحقاً إلى التوسع الاستيطاني حولها.

تاريخ من التلاعب بالهوية الدينية للموقع

يقع الضريح المزعوم على تلة الشيخ العباد في بلدة حولا اللبنانية، وهو موقع إسلامي قديم يضم قبوراً تاريخية، كان يُعرف سابقاً بقبور بنات النبي يعقوب. لكن إسرائيل بدأت منذ العام 1972 بالترويج لرواية تقول إنه يضم قبر الحاخام “راب آشي”، الذي يُنسب إليه جمع وتحرير “الجمارا”، أحد الأجزاء الأساسية من التلمود.

وخلال الاحتلال الاسرائيلي للبنان (1982-2000)، أقيم موقع عسكري إسرائيلي فوق التلة، وكان المستوطنون يزورون القبر بحماية الجيش. لكن بعد الانسحاب الاسرائيلي عام 2000، تم تقسيم الموقع بين لبنان وإسرائيل بناءً على اتفاق ترسيم الحدود الذي أشرفت عليه الأمم المتحدة، إلا أن إسرائيل واصلت محاولاتها للاستحواذ عليه.

تحركات عسكرية وإعلامية متزامنة

في الأسبوع الماضي، قامت مجموعة من المستوطنين بترميم القبر، ووفّر لهم الجيش الاسرائيلي الحماية والدعم اللوجيستي. كما تم طلاء شواهد القبر باللون الأزرق ونقل السياج الحدودي ليشمل ما تسميه إسرائيل “الجزء المقدس” في الأراضي اللبنانية.

بالتزامن مع هذه التحركات، نظّم وفد إعلامي إسرائيلي جولة على الحدود الشمالية، شملت مستوطنة “المطلة” المقابلة لكفركلا والعديسة، والموقع العسكري الاسرائيلي في “أفيفيم” قبالة بلدة مارون الراس، في خطوة تُظهر تنسيقاً بين الإعلام والمؤسسة العسكرية لتكريس السردية الدينية حول الموقع.

مخاوف من استنساخ تجربة الضفة الغربية

ما يجري في تلة الشيخ العباد ليس مجرد زيارة دينية عابرة، بل يُنذر بتكرار سيناريو السيطرة الاسرائيلية على المقامات في الضفة الغربية، حيث تحوّلت مقامات مثل قبر يوسف في نابلس إلى بؤر استيطانية محصنة تحت ذريعة قدسيتها الدينية.

وتشير مصادر عبرية إلى أن إسرائيل تعتبر الاحتفاظ بخمس نقاط استراتيجية في جنوب لبنان أمراً ضرورياً، ما يثير المخاوف من تحويل موقع العباد إلى نقطة استيطانية دائمة بحجة تأمين “حق اليهود” في الصلاة هناك.

دور الجيش اللبناني وردود الفعل الدولية

في المقابل، سيّر الجيش اللبناني دوريات في المنطقة وقام باستطلاع الأوضاع على الحدود، وسط تصاعد التوترات بعد تسلل المستوطنين الاسرائيليين. كما أبدت فرنسا ودول أوروبية أخرى استياءها من محاولات إسرائيل فرض أمر واقع جديد، معتبرة أن هذا التحرك يهدف إلى شرعنة الاحتلال عبر التوظيف الديني.

استراتيجية الاحتلال عبر “الرموز الدينية”

تكشف الأحداث الأخيرة في تلة الشيخ العباد عن نهج إسرائيلي واضح في استغلال الرموز الدينية لتبرير التوسع الاستيطاني والاحتلال. فمن خلال إعادة تفسير التاريخ، وتجنيد المؤسسات الدينية، والاعلامية، والأمنية، تسعى إسرائيل إلى تحويل مواقع إسلامية ومسيحية إلى أماكن “مقدسة” يهودية، ما يهدد بمزيد من التوترات في المنطقة.

في ظل هذه التطورات، يبقى السؤال: هل نشهد قريباً “حائط مبكى” جديداً في الجنوب اللبناني؟

شارك المقال