بين ترامب وأوروبا… السعودية تبرز كقوة جيوسياسية

محمد شمس الدين

في مشهد يعكس تحولات جيوسياسية عميقة، تجد أوروبا نفسها بين مطرقة السياسات الانعزالية لإدارة دونالد ترامب وسندان التهديدات الروسية المتصاعدة، بينما تُركت أوكرانيا وحيدة في مواجهة مصيرها المجهول.

مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، تتشكل معالم سياسة جديدة تقوم على تفاهم غير مُعلن مع الكرملين، حيث تضحى المصالح الأوكرانية والأوروبية بما يبدو أنه إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي، فيما يبرز دور السعودية كوسيط رئيسي في إعادة التوازن الاستراتيجي.

التفاهم الأميركي – الروسي برعاية سعودية

منذ بداية ولايته الثانية، عمل ترامب على تفكيك إرث جو بايدن في دعم أوكرانيا، مهاجماً الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وملوحاً بوقف المساعدات العسكرية والمالية. لكن ما يجري خلف الكواليس أكثر إثارة للقلق، إذ كشفت مصادر ديبلوماسية أن مفاوضات سرية بين مسؤولين أميركيين وروس تجري في الرياض بوساطة سعودية، مستبعدة كييف والاتحاد الأوروبي. يبدو أن السعودية بقيادة الأمير محمد بن سلمان تلعب دوراً محورياً في إعادة تشكيل المشهد السياسي العالمي.

وتشير وثائق مسربة إلى مفاوضات سرية بين “إكسون موبيل” الأميركية و”غازبروم” الروسية لاستغلال مناجم الليثيوم في دونباس، وهي منطقة تشكل 60% من احتياطيات أوكرانيا من هذا المعدن الاستراتيجي.

أوروبا المرتبكة

في ظل هذا المشهد المضطرب، تتفاقم أزمة الثقة بين الحلفاء الأوروبيين بسبب سياسات ترامب الانعزالية. فبينما تحاول فرنسا توحيد موقف أوروبي صلب، تُظهر ألمانيا تردداً في اتخاذ موقف حاسم، فيما تواجه إيطاليا معضلة تحقيق التوازن بين علاقتها بواشنطن ودعمها لكييف.

وفيما تطالب بولندا ودول البلطيق بزيادة الضغط على روسيا، تفضل دول مثل المجر وسلوفاكيا التهدئة، ما يعكس شرخاً جيوسياسياً داخل القارة العجوز.

مطالب ترامب بزيادة الإنفاق الدفاعي، رفع الإنفاق العسكري الأوروبي إلى 5% من الناتج المحلي يعني أن ألمانيا وحدها ستنفق 250 مليار يورو سنوياً، وهو ضعف ميزانيتها الدفاعية الحالية.

ويهدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على السيارات الأوروبية، ما يضع برلين في موقف معقد بين الرضوخ للمطالب الأميركية أو الدخول في مواجهة اقتصادية خطيرة.

تصريحات ترامب حول تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا وتهديده بالانسحاب من الناتو تثير المخاوف من انهيار التحالف الذي حمى القارة منذ الحرب العالمية الثانية. لكن وسط هذه الفوضى، يبرز دور السعودية كقوة جيوسياسية قادرة على إدارة التوازنات الدولية.

انسحاب أميركي تدريجي

واشنطن بدأت بالفعل بسحب 10,000 جندي من قواعدها في ألمانيا وإيطاليا، وتقليص مشاركتها في مناورات الناتو بنسبة 30%.

وتبحث دول مثل بولندا ودول البلطيق عن تشكيل تحالفات إقليمية جديدة، بينما يناقش الاتحاد الأوروبي إمكا بناء جيش مشترك لتعويض الغياب الأميركي.

ومع تراجع الالتزام الأميركي، تقدم الرياض نفسها كلاعب أساسي في استقرار المنطقة، من خلال مبادراتها الديبلوماسية والاقتصادية مع كل من واشنطن وموسكو.

أوكرانيا المعزولة

يجد زيلينسكي نفسه محاصراً بين رفضه للخضوع لشروط التسوية، ونقص الذخائر، وتراجع الدعم الأوروبي. بينما تسعى روسيا الى توسيع سيطرتها، يكافح الجيش الأوكراني للحفاظ على مواقعه وسط أزمات متزايدة.

وخسرت أوكرانيا 40% من منظوماتها الدفاعية، ويبلغ معدل خسائرها اليومية 200 جندي بين قتيل وجريح. فيما يهدد زيلينسكي بفتح الحدود أمام 5 ملايين لاجئ أوكراني إلى أوروبا، ما قد يؤدي إلى أزمة لجوء تفوق أزمة 2015.

وتنشط ميليشيات محلية في خاركيف باسم “ذئاب الليل”، وتشن عمليات مقاومة بأسلحة بدائية، في مؤشر على تحول الصراع إلى حرب عصابات طويلة الأمد.

هل تصبح أوروبا رهينة للصراعات الدولية؟

القرارات الأميركية الحالية ليست مجرد تحولات تكتيكية، بل تمثل إعادة صياغة للنظام العالمي. فبينما تتفاوض واشنطن وموسكو على تقاسم النفوذ، تلعب السعودية دور الوسيط الذي يعيد ضبط موازين القوى، فيما تواجه أوروبا تحديات وجودية تهدد استقرارها.

ويحذر تقرير استخباراتي فرنسي من أن أوروبا تحتاج إلى 15 عاماً لإنشاء قوة عسكرية مستقلة قادرة على مواجهة روسيا.

وناقش مجلس الأمن القومي الألماني تطوير أسلحة نووية أوروبية، لكن فرنسا رفضت الفكرة بصورة قاطعة.

ويدرس بعض الدول الأوروبية، مثل المجر والنمسا، الانضمام إلى “بريكس” بصفة مراقب، في خطوة قد تشير إلى تحول جيوسياسي غير مسبوق.

عالم بلا قواعد.. ودور سعودي متصاعد

المشهد الحالي أشبه بلعبة شطرنج عالمية: ترامب وبوتين يحركان بيادقهما، بينما تقف أوروبا عاجزة عن فرض إرادتها. في المقابل، تواصل السعودية بقيادة محمد بن سلمان تعزيز دورها كقوة صاعدة، قادرة على التأثير في مجريات الأحداث الدولية.

الأسابيع القادمة قد تشهد تحولات تاريخية، فإما أن تعيد أوروبا اكتشاف هويتها الاستراتيجية، أو تصبح رقعة شطرنج في لعبة القوى الكبرى.

لكن الثابت الوحيد في هذه المعادلة، أن السعودية لم تعد مجرد لاعب إقليمي، بل باتت رقماً صعباً في معادلة القوة العالمية.

شارك المقال