في لحظة غير مسبوقة داخل البيت الأبيض، تحولت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لواشنطن إلى مواجهة ديبلوماسية حادة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. في مشهد بُثّ مباشرة عبر وسائل الاعلام، بدا زيلينسكي في موقف صعب، بينما أبدى ترامب امتعاضه العلني من المطالب الأوكرانية المستمرة بالدعم العسكري والاقتصادي. انتهى اللقاء بإلغاء المؤتمر الصحافي المشترك، وعدم التوصل إلى اتفاق حول استغلال الثروات المعدنية الأوكرانية، ما عزز المخاوف بشأن مستقبل المساعدات الأميركية لكييف.
على الفور، توالت ردود الفعل الدولية. في موسكو، لم تفوّت القيادة الروسية الفرصة لاستغلال الحدث لصالحها، إذ وصفت المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا تصرف ترامب بأنه “تحلٍّ بضبط النفس”، بينما ذهب الرئيس السابق ديمتري مدفيدف إلى وصف زيلينسكي بـ”المهرج مدمن الكوكايين”.
في المقابل، سارع القادة الأوروبيون إلى إعلان دعمهم لأوكرانيا، مؤكدين أن أوروبا لن تتخلى عن كييف، في رسالة تعكس مخاوف من انسحاب أميركي محتمل من الملف الأوكراني. رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والمستشار الألماني أولاف شولتز شددا على أن “أوكرانيا يمكنها الاعتماد على أوروبا”، بينما هاجم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقف ترامب بصورة غير مباشرة، مؤكداً أن “المعتدي هو روسيا، وليس زيلينسكي”.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تقارب ترامب مع روسيا هدفه مواجهة الصين، أم أن عداءه لأوروبا يعكس قناعاته الشخصية حول مستقبل النظام العالمي؟
عداء شخصي أم حسابات استراتيجية؟
ليس من المستغرب أن يكون ترامب في صراع مع أوروبا. خلال ولايته الأولى، وصف الاتحاد الأوروبي بأنه “عدو” تجاري، واتهمه بـ”خداع الولايات المتحدة”. اليوم، وفي ولايته الثانية، عاد ترامب الى نهجه التصعيدي ضد أوروبا، من خلال تهديداته بفرض رسوم جمركية، ودعمه للأحزاب اليمينية المتطرفة، والتلويح بتقليص دور أميركا في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
إذاً، لماذا يعادي ترامب أوروبا بهذا الشكل؟
المنافسة الاقتصادية؟
يشعر ترامب بغيظ شديد تجاه الميزان التجاري المختل بين أميركا وأوروبا، خصوصاً مع ألمانيا التي تحقق فائضاً تجارياً ضخماً مع الولايات المتحدة، متجاوزاً 67 مليار دولار.
ويرى أن شوارع مانهاتن تعج بالسيارات الألمانية، بينما تتكدس السيارات الأميركية في المخازن من دون مشترين أوروبيين.
الخوف من “أوروبا الموحدة”
يخشى ترامب من تحول الاتحاد الأوروبي إلى قوة اقتصادية ومالية منافسة للولايات المتحدة، خصوصاً مع طموحات بروكسل لإنشاء جيش أوروبي مستقل، وتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة العالمية.
ويدرك أن الاقتصاد الأوروبي يقترب حجمه من الاقتصاد الأميركي (17.5 تريليون دولار مقابل 20 تريليون دولار لأميركا)، وهو ما يجعله تهديداً حقيقياً للهيمنة الأميركية.
إضعاف أوروبا لصالح روسيا؟
بينما تركز واشنطن على مواجهة الصين، يرى البعض أن ترامب يسعى إلى تقوية روسيا كقوة موازية لأوروبا، ما يسمح لأميركا بالتفرغ لمنافسها الأكبر: بكين.
يدرك ترامب أن روسيا، على الرغم من ضعفها الاقتصادي، لا تزال قوة عسكرية كبيرة، ويمكن استخدامها لموازنة النفوذ الأوروبي، وبالتالي تقليل الحاجة الأميركية الى الانخراط في الشؤون الأوروبية.
أوروبا في حالة تأهب
أمام هذا التصعيد الأميركي، استعدت أوروبا لمواجهة تهديدات ترامب على عدة جبهات:
الجبهة الاقتصادية
تسعى بروكسل إلى الرد بالمثل على أي رسوم جمركية يفرضها ترامب، بحيث أكد المستشار الألماني شولتز أن “الاتحاد الأوروبي يمكنه أن يرد بتعريفات جمركية أيضاً”.
تدرس أوروبا تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين لموازنة الضغط الأميركي، على الرغم من المخاوف من النفوذ الصيني.
الجبهة الأمنية والعسكرية
بعد تشكيك ترامب في التزام أميركا بحلف الناتو، بدأ بعض الدول الأوروبية مثل بولندا وفرنسا بزيادة إنفاقه الدفاعي، تحسباً لاضطراره الى الدفاع عن نفسه من دون الغطاء الأميركي.
الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى استثمار 500 مليار يورو في الدفاع خلال العقد المقبل، لكن التمويل لا يزال غير كافٍ.
الحرب الرقمية
يتزايد التصعيد بين أوروبا و”عمالقة التكنولوجيا الأميركيين” مثل إيلون ماسك ومارك زوكربيرغ، اللذين يعارضان قوانين الاتحاد الأوروبي الصارمة بشأن تنظيم المحتوى الرقمي.
تسعى بروكسل إلى فرض ضرائب على الشركات الأميركية الكبرى، مثل “غوغل” و”فيسبوك” و”آبل”، كرد فعل على السياسات الأميركية.
غرينلاند
عاد ترامب مجدداً الى طرح فكرة الاستحواذ على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، ما أثار جدلاً واسعاً في أوروبا.
الدول الأوروبية ناقشت إمكان إرسال قوات لحماية الجزيرة، لكن الخلافات الداخلية بين أعضاء الناتو تجعل الرد الأوروبي ضعيفاً.
ترامب وروسيا
على الرغم من كل التصعيد الأميركي ضد أوروبا، فإن تقارب ترامب مع روسيا يثير تساؤلات عديدة. هل هو مجرد براغماتية سياسية لمواجهة الصين، أم أن ترامب يرى في موسكو حليفاً مستقبلياً ضد الاتحاد الأوروبي؟
ما هو واضح أن ترامب لا يخفي احتقاره للمشروع الأوروبي، ويرى في الاتحاد الأوروبي منافساً اقتصادياً يجب كبحه. لكنه في المقابل، لم يفرض عقوبات جديدة على روسيا، ويفضل التفاوض مع فلاديمير بوتين بدلاً من المواجهة العسكرية.
السؤال الذي سيحدد مستقبل أوروبا هو: هل تستطيع القارة العجوز الاستقلال فعلياً عن واشنطن، أم أنها ستجد نفسها عاجزة عن مواجهة الضغوط الأميركية؟
لا شك في أن الميدان الأوكراني هو الأساس في رسم شكل العالم المستقبلي، وستكون الأشهر القادمة حاسمة، وستحدد مصير أوروبا، هل ستجدد القارة العجوز شبابها، أم أن اتكالها على أميركا لنحو قرن من الزمن جعلها أضعف من إمكان الصمود في عالم تفلتت فيه أميركا من أي التزامات دولية كانت تعتبر الحجر الأساس للعالم الغربي؟


