على الرغم من انتهاء الحرب ودخول اتفاق وقف اطلاق النار حيز التنفيذ منذ قرابة 4 أشهر، لا تزال الطائرات الحربية والمسيرات تستبيح سماء لبنان، ولا تكتفي بالجولات الجوية بل تشن غارات وتنفذ عمليات اغتيال، تقول إنها لعناصر من “حزب الله” ومن ضمن سعيها الى منع تشكيل الحزب تهديداً مجدداً، وفق اتفاق وقف النار. وبعيداً عن الشق السيادي أو ما يتعلق بخرق الاتفاق، كيف تتمكن اسرائيل من تنفيذ العمليات بهذه الدقة؟
بعيداً عن العواطف والبروباغندا من هنا وهناك، تتمتع إسرائيل بواحدة من أقوى شبكات الاستخبارات الجوية في العالم، بحيث تعتمد على مزيج من الطائرات الحربية المتطورة والطائرات من دون طيار (المسيرات) لتنفيذ عمليات المراقبة، الاستطلاع والتجسس، بالاضافة إلى تنفيذ ضربات دقيقة عند الحاجة. ويشكل هذا التفوق الجوي ركيزة أساسية في العقيدة العسكرية الاسرائيلية، ما يمنحها ميزة استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط.
يستند التفوق الاسرائيلي في مجال الاستخبارات الجوية إلى دمج الطائرات المأهولة والمسيرات في شبكة موحدة لجمع المعلومات وتحليلها في الزمن الفعلي. تعمل هذه الطائرات كمراكز استخبارات متحركة، مزوّدة بأحدث تقنيات التصوير، الاستشعار، والاتصالات، ما يمكنها من رصد الأهداف بدقة متناهية ونقل البيانات بصورة فورية إلى مراكز القيادة.
وتمتلك اسرائيل مجموعة من الطائرات الحربية والاستخباراتية المتقدمة، بحيث تُعد ” F-35Iأدير” النسخة الاسرائيلية من المقاتلة الشبحية الأميركية “F-35″، وهي واحدة من أخطر المقاتلات في العالم. تم تعديل هذه الطائرة لتلائم الاحتياجات الاسرائيلية، بحيث تستطيع تنفيذ عمليات استخباراتية معقدة، إضافة إلى دورها القتالي. وتتميز برادار APG-81 المتطور، الذي يمكنه تنفيذ مهام الاستطلاع الأرضي ورصد الأهداف الجوية في آن واحد، ونظام الاستشعار الكهروبصري (EOTS) الذي يوفر صوراً فائقة الدقة للمواقع الحساسة، ونظام DAS (توزيع الإنذار بالأشعة تحت الحمراء)، الذي يمنح الطائرة رؤية شاملة لأي تهديدات جوية أو صاروخية، ونظام الحرب الالكترونية المتقدم، الذي يمكنه التشويش على الرادارات المعادية وجمع المعلومات عن أنظمة الدفاع الجوي.
بينما تُستخدم ” F-15I راعام” في العمليات القتالية والاستخباراتية، وتمتلك قدرات استطلاعية متقدمة، ويمكنها الطيران لمسافات طويلة مع قدرة كبيرة على حمل الذخائر. وتتميز هذه الطائرة برادارات متقدمة توفر صوراً ثلاثية الأبعاد لمواقع العدو، وأنظمة تشويش إلكتروني لتعطيل اتصالاته وقدراته الدفاعية، وأجهزة استشعار بالأشعة تحت الحمراء تمكنها من العمل في البيئات الليلية والضبابية.
وتُعتبر “Gulfstream G550 Nachshon” احدى أهم طائرات الاستطلاع الاسرائيلية، حيث تستخدم لمهام المراقبة الالكترونية (SIGINT) والاستطلاع الجوي (ISR)، وهي مزوّدة بأنظمة ELI-3001 وELI-3002، التي تسمح بالتنصت على الاتصالات ورصد الاشارات الالكترونية المعادية، ويمكنها الطيران على ارتفاعات شاهقة والبقاء في الجو لساعات طويلة، ما يجعلها منصة استخباراتية جوية مثالية.
المسيرات الاسرائيلية: تفوق في المراقبة والاستهداف
وتعتبر إسرائيل من روّاد صناعة الطائرات من دون طيار، بحيث طوّرت مجموعة واسعة من المسيرات التي توفر قدرات استخباراتية متقدمة. تُستخدم هذه الطائرات لجمع المعلومات، تنفيذ ضربات جوية، وحتى تنفيذ عمليات تشويش إلكتروني.
تُعد Heron TP واحدة من أكبر المسيرات الاسرائيلية وأقواها، وهي قادرة على تنفيذ مهام استطلاعية وهجومية، وتستطيع البقاء في الجو لأكثر من 30 ساعة متواصلة، وتحمل رادارات متقدمة وأنظمة تصوير حرارية عالية الدقة، وتستخدم في مهام التجسس، المراقبة، وحتى تنفيذ ضربات دقيقة.
وتُعتبر Hermes 900 طائرة استطلاع متطورة، وتمتلك قدرات استخباراتية متقدمة تشمل: أنظمة تصوير فائقة الدقة تتيح رصد الأهداف بدقة عالية، نظام اتصالات مشفر يتيح تبادل المعلومات مع المقاتلات والطائرات الأخرى في الميدان، قدرة على حمل أنظمة حرب إلكترونية لتعطيل شبكات الاتصالات والرادارات المعادية.
تُستخدم Hermes 450 في عمليات المراقبة والتجسس، وتستطيع التحليق لمدة 20 ساعة متواصلة على ارتفاعات متوسطة، وهي مزودة بأجهزة استشعار متطورة لرصد التحركات الأرضية، تستخدم في عمليات الاستطلاع التكتيكي لتحديد الأهداف بدقة عالية.
على الرغم من أنها لم تستعملها كثيراً في لبنان، تُعرف Harop بأنها طائرة من دون طيار هجومية تعمل كصاروخ انتحاري، بحيث يمكنها التحليق فوق الهدف لساعات قبل مهاجمته عند اللحظة المناسبة، وهي مزودة برأس حربي متفجر، وتعمل بأنظمة توجيه متقدمة، ويمكنها تعقب الأهداف الرادارية وتدميرها.
شبكة الربط المعلوماتي بين الطائرات والمسيرات
إحدى أهم المزايا التي تمتلكها إسرائيل في المجال الاستخباراتي الجوي هي الربط الشبكي بين جميع المنصات الجوية، بحيث تستطيع الطائرات المأهولة والمسيرات تبادل البيانات في الزمن الفعلي عبر نظام Datalink المتقدم، ويمكن لمقاتلات “F-35” مشاركة معلومات الاستطلاع مع طائرات Gulfstream G550، ما يعزز دقة الاستخبارات الميدانية، وتعمل المسيرات مثل Heron TP وHermes 900 كمنصات استشعار متقدمة، تنقل بياناتها إلى المقاتلات والطائرات الاستطلاعية.
يتيح هذا التكامل الجوي تنفيذ عمليات إخماد الدفاعات الجوية المعادية (SEAD) بشكل أكثر فاعلية، بحيث يمكن للطائرات تحديد مواقع الرادارات والصواريخ الأرضية وضربها بدقة.
ولكن اسرائيل تمتلك العديد من هذه التقنيات على الأقل منذ عقد من الزمن، ما الدي دفعها إلى الانتظار لاستخدامها ضد أعدائها؟ أم هل كانت تستخدمها في سوريا كونها كانت أرضاً مفتوحة وتنتظر الفرصة المناسبة لفتح أرض لبنان؟ أكثر من ذلك، كل هذه التقنيات ولا تزال اسرائيل تستخدم نهج العقاب الجماعي، ترتكب مجازر مروعة وتدمر مدناً وقرى كما هي، فهل العمليات الدقيقة لا تروي عطش تل أبيب للدم؟ وأين المجتمع الدولي الذي يعرف قدرات حليفته، بل قد زوّدها بالعديد من هذه الأسلحة؟


