القواعد السعودية: المشروع العربي الجامع

أحمد عدنان
أحمد عدنان

حين تولى الرئيس الأميركي بيل كلينتون مقاليد الحكم تبنى مبدأ “الأمن القومي يبدأ من الداخل”، أي قوة السياسة الخارجية مستمدة من متانة الوضع الداخلي ولصالحه، وعليه فقد انهمك كلينتون في إصلاح نظامه الاقتصادي من جهة، واستثمر سياسته الخارجية لتعزيز الوضع الاقتصادي الداخلي.

بالإعلان عن رؤية 2030، أصبح للمملكة العربية السعودية مشروع داخلي واضح وطموح على صعيدي الإدارة والاقتصاد، واليوم نحن بحاجة إلى تتمة لهذا المشروع يتناول السياسة الخارجية والرؤية الإقليمية والدولية للمملكة، تحت عنوان saudi rules، القواعد السعودية أو المبادئ السعودية، وهنا أستذكر “مبدأ إيزنهاور” الذي أعلنه الرئيس الأميركي عام 1957 من خلال “رسالة خاصة إلى الكونغرس حول الوضع في الشرق الأوسط”، ثم “عقيدة أوباما” التي وثقها أواخر حكمه.

تمثل رؤية 2030 نظرتنا باتجاه الذات، و”القواعد السعودية” التي أقترح تمثل نظرتنا باتجاه العالم والآخر. رؤية 2030 مناسبة للتخاطب مع الداخل، ومناسبة للتخاطب مع الخارج للعمل أو الاستثمار في الداخل، لذلك نحن بحاجة إلى رؤية 2030 ثانية وإضافية في السياسة الخارجية لتكتمل اللوحة.

هناك ملامح عريضة ثابتة للسياسة الخارجية السعودية: الإيمان بقيمة الدولة الوطنية والاقتصاد المعرفي، رفض الإسلام السياسي، محاربة الإرهاب، الرهان على التنمية، المبادرة العربية للسلام… إلخ. هذه الملامح والعناوين بحاجة إلى صهر ودمج تحت راية براقة وصريحة، تخضع للنقاش الواسع ويتم العمل على تسويقها، فإذا كانت المشاريع الشريرة، كالإخوان وولاية الفقيه، وجدت جمهوراً عابراً للحدود، فليس هناك ما يمنع أن تجد المشاريع الصالحة والجيدة جمهوراً أوسع.

“القواعد السعودية” فكرة تجيب ببساطة عن الآتي:

1- لماذا من مصلحة الآخر أن يتحالف معنا أو يرتبط بنا سياسياً واقتصادياً؟

2- لماذا ليس من مصلحة أحد أن يعادينا؟

3- ما هي نظرتنا العامة والدقيقة لقضايا الشرق الأوسط خصوصاً؟

4- ما هو مشروعنا السياسي والإقليمي المضاد للمشاريع المعادية والشريرة؟

5- ما هي شروط قيام المملكة لاستخدام الخيار العسكري أو قطع العلاقات؟

6- كيف تنظر المملكة إلى المنطقة في 2030 أو كيف تتمناها؟

حين يتم التطرق إلى خصوم المملكة، تركيا ارتبط اسمها بإعادة مجد الخلافة العثمانية والإسلام السياسي، وقطر ارتبطت بما سمّي بالربيع العربي، وإيران موضوعها هو تصدير الثورة الإسلامية والتشييع القسري المتسلط.

الأهمية التي تمثلها فكرة “القواعد السعودية”، أنها تضع مشروعاً واضحاً وصريحاً وتقدمياً في مواجهة المشاريع المضادة، مما يوسع هوامش الحركة والمناورة والاجتذاب، والأفضل أن تتحول القواعد السعودية إلى قواعد خليجية أو عربية بمشاركة الإمارات ومصر على سبيل المثال إن كان ذلك مناسباً أو ممكناً.

لقد ارتبطت صورة المملكة العربية السعودية طوال عقود بفكرة “المحافظة” في السياسة الخارجية، أي بقاء الوضع الراهن كما هو عليه، لكن هذه الصورة – مهما بدت عقلانية – لا تملك إغواء وبريق وحماسة المشاريع الثورية إقليمياً، كما أنها لا تستطيع الصمود أمام الواقع في بعض الدول المجاورة، حتى مع النوايا الطيبة لدى المملكة باتجاه المنطقة وأهلها، لذا فالمطلوب مشروع عربي يلتف حوله الجميع، مشروع يربط بين رؤية 2030 وبين المنطقة ربطاً مباشراً من خلال السياسة الخارجية. وما يعزز هذه الفكرة الإنجازات والتغييرات الكبرى التي حققتها القيادة السعودية داخلياً، وبالتالي تحول “القواعد السعودية” الإنجازات الداخلية الى مكاسب سياسية خارجية.

إن المقومات الذاتية السعودية تؤهل البلاد لطرح رؤية إقليمية عابرة للحدود، وأعني هنا: القوة النفطية، المكانة الدينية، اللسان العربي، وبالتأكيد المواطن السعودي.

في مؤلفه “يجب أن نسود” طرح الرئيس كلينتون مشروعاً طموحاً هدفه أن يكون القرن الراهن قرناً أميركياً. قدم كلينتون مفهوماً جديداً للسيادة يتمثل في السيطرة على الزمن (العصر) بدلاً من السيطرة على الأراضي واحتلالها. ولعل روح مشروع كلينتون الموجه الى الأمة الأميركية – إبان حقبته الرئاسية – هو ما يجب أن تلتفت اليه وزارة الخارجية السعودية، والله من وراء القصد.

شارك المقال