موقع مستقل | الناشر ورئيس التحرير: محمد نمر

خطة "جبران"

سياسة 21 حزيران , 2021 - 12:01 ص

لبنان الكبير

 

لا تزال أصداء كلام نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي، حول ما يضمره رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل لإسقاط المؤسسات والوصول إلى الفراغ بغية انتخابه رئيساً للجمهورية، تتردد في الوسط السياسي اللبناني. حتماً هذا الكلام لم يأتِ من العدم، فموقع الفرزلي الذي كان مقرباً من رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره باسيل يعطي كلامه مصداقية، لكنه ليس سوى جزء من خطة كاملة بدأت منذ اليوم الأول لانتخاب عون، وتؤكدها وقائع عدة مرّت منذ عام 2016 حتى اليوم وستستكمل في الأيام الباقية من عمر العهد الرئاسي الحالي وتتجلى بالمحطات الآتية:

أولاً، اعتماد عون وباسيل أسلوب الفراغ والتفريغ الممنهج بهدف فرض مشروعهما السياسي السلطوي، باستخدام تعطيل المؤسسات في العملية السياسية عبر شلّ عمل مجلس النواب لأكثر من سنة، وعرقلة تشكيل الحكومات المتعاقبة لأشهر ومنع انتخاب رئيس للجمهورية لأكثر من سنتين حتى فرض وصول عون عنوة لسدة الرئاسة عام 2016.

ثانياً، قيام عون وباسيل بتفاهمات ثنائية مع القوى السياسية وهذا ما يؤكد أن مشروعهما سلطوي لا وطني جامع، يعتمد على استخدام هذه القوى في مراحل معينة ثم الانقلاب عليها، كما حصل بالتفاهمات مع "المردة" و"القوات اللبنانية" و"المستقبل" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" وذلك خدمة لمصالحهما، بإستثناء التفاهم مع "حزب الله" الذي لا يجرؤ باسيل وعون على الخروج من عباءته نظراً إلى الكلفة الباهظة التي قد يدفعانها إذا تخليا عن تفاهم مار مخايل، إلا أنهما يوحيان ببعض التمايز من وقت إلى آخر، بهدف اللعب على مشاعر الوجدان المسيحي غير المتحمّس لهذا التفاهم.

ثالثاً، عمل باسيل على قانون انتخابات نيابية ساعده على تأمين أكثرية نيابية مسيحية، مستفيداً من وجود عمّه في الرئاسة، ونسج تحالفات هجينة أدت إلى نجاح خطته. وقد يصعب عليه بعد اليوم ووفق أي قانون التوصّل إلى مثل هذه الأكثرية نتيجة فشل أدائه ووعي الرأي العام المسيحي والمسلم إلى الخديعة التي تعرّض لها بسبب نهجه التعطيلي.

رابعاً، ليس سراً أن ما يقوله باسيل اعلامياً أمام الرأي العام غير ما يطالب به في المجالس السياسية الضيقة، فهو مرن ومسهّل للحلول إعلامياً، ومتطلب ومعطّل لأي حلول لا تخدم مشروعه ومصالحه في المجالس الضيّقة. من هنا نفهم عرقلته لتأليف الحكومة ولكل ما قاله الفرزلي عن التدمير الممنهج للمؤسسات المالية والنقدية والاقتصادية ومؤسسة الحكومة والبرلمان والقضاء والأجهزة الأمنية. ولا أحد يشك بقدرات باسيل لأجل تحقيق ذلك، فهو الرئيس الظل والمؤثّر الأساسي في أداء رئيس الجمهورية.

إنها خطة الأرض المحروقة لإسقاط المؤسسات ما سيؤدي إلى الفراغ والفوضى وفرض باسيل رئيساً في لحظة انهيار كل شيء بحيث لا يبقى سوى هذا الحل، فتجد القوى السياسية نفسها أمام "مكره أخاك لا بطلُ". وقد يتساءل كثيرون ما سرّ قوة باسيل، والجواب حتماً الرئيس وحزب الله، فالأول يقدّم له صلاحيات الموقع ربما لا تكون صلاحيات قوية إنما كافية للتعطيل، والثاني يتبادل معه الأدوار في سبيل أهداف واحدة، قد تؤدي إلى عقد سياسي جديد على أنقاض الطائف وفرض المثالثة وانتخاب باسيل رئيساً بموجب النظام الجديد كمكافأة لجهوده التي تساهم في تحقيق هذا الهدف، وما احتجاج بعض الشخصيات السياسية التي تدور في فلك باسيل على حزب الله الا عمليات تمويه تظهر من وقت إلى آخر بدون الإقدام على أي خطوة تقطع "شعرة معاوية" مع الحزب.

أمام هذا الواقع نرى باسيل في مواجهة لثلاثة استحقاقات محاولاً عرقلتها بشتى الوسائل رغم خطابه الإعلامي المناقض.

أولاً، الاستحقاق الأول هو تأليف الحكومة، إذ ينهمك باسيل من خلال وجود عون في موقع الرئاسة في التذرع بالصلاحيات والإيحاء بأن الرئيس المكلّف سعد الحريري يعرقل تشكيل الحكومة ويتعدى على صلاحيات الرئيس ويمس بحقوق المسيحيين، فيما الحقيقة أن الحريري يلتزم بشروط المبادرة الفرنسية ويحرص على تأليف حكومة اختصاصيين مستقلة غير تابعة للقوى السياسية وتقوم بالإصلاحات المطلوبة، إلا أن باسيل لا يريد الحكومة من أساسها لأنها لا تخدم خطته ويدفع إلى مزيد من الفراغ.

ثانياً، يسعى باسيل إلى إبعاد كأس الانتخابات النيابية وهو يعرف من كل استطلاعات الرأي أن شعبيته وشعبية تياره تراجعت، لذلك يرمي سهامه على القوات اللبنانية التي تؤكّد أنه سيزداد عدد نوابها في الانتخابات المقبلة، إضافة إلى نمو القوى التغييرية التي نشأت بعد انتفاضة 17 تشرين وتعتبر باسيل رمزاً من رموز الفساد، لذا سيحاول تعطيل الاستحقاق لأنه لن يكون لمصلحته ولا لمصلحة مشروعه وخصوصاً إذا تغيّرت الأكثرية النيابية.

ثالثاً، يشكّل مشروع الحياد الإيجابي والمؤتمر الدولي اللذان يطالب بهما البطريرك مار بشارة بطرس الراعي مصدر قلق لباسيل، وهو تعامل معه ببرودة مقصودة لأنه يعاكس مشروعه ويُخرج لبنان من هيمنة "حزب الله" وايران خلفه، ويجعل باسيل وحيداً بلا دعم.

لكن في الختام، تبدو خطة باسيل بفرض نفسه رئيساً على طريقة "أنا أو لا أحد" أحلاماً للأسباب الآتية: أولاً يتخبط بعقوبات أميركية ويعاني من العزلة الدولية نتيجة تحالفه مع "حزب الله" وسمعته السيئة بعد اتهامه بالفساد، ثانياً، أفلس شعبياً بعد انتفاضة اعتبرته من أسوأ السياسيين ضمن مجموعة "كلن يعني كلن"، ثالثاً علاقاته سيئة مع معظم القوى السياسية اللبنانية وبات من المستحيل اعادة المياه إلى مجاريها.

خطة جبران باسيل إذا نجحت قد تغيّر وجه لبنان بالمعنى السلبي إلى الأبد، وهذا ما تردده شخصيات سياسية تعرفه جيداً رمت نفسها من مركب تكتله النيابي الغارق منذ فترة، وحمى الله لبنان وشعبه.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us