نهاية الحرب؟

زاهر أبو حمدة

يروّج جيش الاحتلال بأن معركة رفح تنتهي خلال أيام، وأنه حقق إنجازات ضخمة منها إنهاء كتائب المقاومة في كل القطاع وتفكيكها عسكرياً والقضاء على مقدراتها. ومن هنا، بدأ العمل على الانتقال إلى المرحلة الثالثة وتشمل توغلات مركزة من جيش الاحتلال أو القوات الخاصة في جميع أنحاء قطاع غزة وفقاً لمعلومات عملياتية.

في المقابل، ينسحب جيش الاحتلال من غزة مع الإبقاء على عدد محدود من القوات في محور نتساريم وسط القطاع ومحور فيلادلفيا عند الحدود الفلسطينية المصرية. وهذا البقاء يتيح للاحتلال التحرك بسرعة بعدما شق الطرق ونسف المربعات السكنية المحيطة بالمحورين. وبالتالي، ينتظر القادة العسكريون موقف المستوى السياسي لتنفيذ الخطة وإعلان انتهاء العمليات المكثفة، وهذا يتطلب قراراً من حكومة بنيامين نتنياهو، لا سيما في ما يخص إدارة قطاع غزة. وحتى الآن لا يبدو أن هناك تغييراً في موقف نتنياهو، تجاه السلطة الفلسطينية بوصفها كياناً شرعياً قادراً على القيام بدور فاعل في إدارة غزة. وبالعكس، بدأ الكابينت بمناقشة حزمة من “الاجراءات العقابية” ضد مسؤولي السلطة الفلسطينية بعد خطوات السلطة ضد الاحتلال على الساحة الدولية. وهذا ما يفعله وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بحصاره المالي ومنع أموال المقاصة من الوصول إلى خزينة السلطة، إضافة إلى المضي قدماً في فرض العقوبات على السلطة الفلسطينية، إلى جانب إقامة أربع مستوطنات جديدة في الضفة الغربية.

وما يتوقع في الأيام المقبلة، أن يعرض جيش الاحتلال إنجازاته منذ بداية العدوان على قطاع غزة في محاولة لإقناع الجمهور والناخبين والمتظاهرين بأنه هزم المقاومة الفلسطينية، تمهيداً للضغط على الحكومة لإنهاء الحرب. وهكذا بدأت المواجهة، بين نتنياهو ووزير الأمن يوآف غالانت، الذي يسعى والجنرالات في أقرب وقت ممكن الى إنهاء العملية في رفح، والانسحاب من القطاع، وتركيز الجيش على الاستعداد لاحتمال نشوب حرب شاملة مع “حزب الله” في الشمال. وهذا ما أشار إليه رئيس أركان جيش الاحتلال هرتسي هاليفي، في تصريحات نقلتها عنه صحيفة “يديعوت أحرونوت”، واختار التأكيد أن “الجيش على وشك هزيمة آخر كتائب حماس ويمكنها تقليص نشاطها في رفح وفي قطاع غزة بأكمله في غضون أسابيع قليلة. وبهذه الطريقة، سيتم تسريح قوات كبيرة، نظامية واحتياطية، للاستعداد للبنان، فضلاً عن الراحة والانتعاش الأساسيين بعد هذا القتال الطويل”.

أما نتنياهو، وفقاً لجميع المؤشرات، فمتحفظ عن مغادرة قطاع غزة ولا يشارك الإلحاح والأهمية التي يعزوها غالانت وهاليفي إلى السعي من أجل صفقة أسرى مع “حماس”. لا بل خرج نتنياهو وأعلن عدم الانسحاب من غزة ما زاد الخلاف بينه وبين غالانت وهاليفي ورئيس “الشاباك” رونين بار، وهذا ما يرجح أن تكون المواجهة بين المستويين ساخنة إعلامياً. وفي تقدير الموقف، يخشى نتنياهو وقف القتال ما يعني اعترافاً إسرائيلياً بالفشل باعتبار أنه متمسك بـ”النصر المطلق” ويعرف ما ينتظره شعبياً وسياسياً إذا أعلن نهاية الحرب.

وفي كل الأحوال، ماذا سيفعل جيش الاحتلال بعد معركة رفح في غزة؟ فالجنود وآلياتهم سيتحولون الى حقل رماية من المقاومة، وهنا الخسائر ستكون كبيرة. وبالتالي، سينسحب إلى خارج القطاع وستخف وتيرة القصف والقتل ولو لم يتحقق إي اختراق للمفاوضات. وفي تاريخ الاحتلال الكثير من أحداث الانسحاب من جانب واحد، وآخرها ما حصل في العام 2005 والانسحاب من قطاع غزة، وذلك كي لا تكبل حكومة الاحتلال نفسها بالتزامات سياسية أمام الفلسطينيين أو الوسطاء أو المجتمع الدولي. وهذا الانسحاب إن حصل قريباً، لا يلزم الاحتلال بشيء له علاقة بإدارة غزة وتقديم المساعدات وإعادة الاعمار، ما يضع المسؤولية على “حماس”.

وطبعاً، لا يمكن لأي فصيل أن يحكم بعد الحرب لأن الملفات كثيرة والشعب في العراء والمانحون لا يقدمون فلساً من دون موافقة أميركية وإسرائيلية. وهكذا، تتدحرج الأمور نحو مقترح توماس فريدمان، في “نيويورك تايمز”، وهو أن تحكم “بقايا حماس المنهكة” والشعب يسقطها لاحقاً لأنها لم تقدم له احتياجاته. وبكل تأكيد هذا السيناريو واقعي جداً، لكن لـ “حماس” أدواتها أيضاً وهي إبقاء القتال واستخدام أسلحة تفيدها بتراشق النيران كالصواريخ والطائرات المسيرة. فإذا كان إنهاء الحرب لا يعني إنهاء القتال، فيمكن للمقاومة أن تبادر هي الى القتال إذا لم يحصل أي اتفاق سياسي.

شارك المقال