ذكرى تفجير المسجديْن في طرابلس… “لم ننسَ لنتذكّر”!

إسراء ديب

لم تتخطَّ مدينة طرابلس الفاجعة التي وقعت منذ 11 عاماً حين استهدفت عملية “إرهابية” مسجديّ التقوى والسلام وأدّت إلى سقوط أكثر من 50 شهيداً وجرح 800 مؤمن اقتصرت تُهمتهم على التوجّه إلى صلاة يوم الجمعة في بيت الله آمنين، لكنّ الشبكة والأجهزة السورية “بذيولها” اللبنانية كان لها رأيّ سياسيّ آخر ضرب المدينة التي تستقبل ذكرى هذا العام بصمتٍ مريب بلا مؤتمرات أو نشاطات تُحرّك مياه العدالة “الراكدة”.

ولم تسلم المدينة من التفجير الأوّل الذي طال مسجد التقوى وأدّى إلى وقوع خسائر بشرية ومادّية جسيمة، ليظهر صوت آخر هزّ المدينة من مسجد السلام، وتُسجّل في يومٍ واحد جريمة مقصودة لم يكن من السهل على أبناء المدينة فهمها وتقبّل تفاصيلها المروّعة والتي لا يخفى على أحد أنّها “كانت صعبة خصوصاً في ظلّ عدم تحمّل المستشفيات حينها عدد الجرحى والشهداء”، وفق ما يقول مصدر طبّي لـ “لبنان الكبير”.

وتستذكر إحدى السيّدات التي أُصيبت بتفجير “التقوى” هذه اللحظات العصيبة، قائلة لـ “لبنان الكبير”: “لا أنسى هذا اليوم الذي صُدمنا فيه من الكفر السياسي، ففي تلك الفترة كّنا نشعر بتهديدات بحدوث شيء عظيم، لكن لا عند صلاة الجمعة، وعند التفجير في الزاهرية، لم أشعر إلّا بالنافذة التي تكسّرت وتطاير زجاجها على جسدي وسقطت على الأرض ورأيت الدمّ، وكنت أعاني من إصابة في رجلي حينها ما يعني أنّني كنت عاجزة عن الركض، لكنّني وقفت مسرعة وركضت، حتّى أنّ والدتي كانت قد دخلت صدفة من الشرفة إلى الداخل، ولو لم تدخل لكانت طارت منها بسبب قوّة الضغط المهولة، وأستذكر أيضاً أنّ الهيئة العليا للإغاثة كانت قد ساعدتنا مادّياً للتصليح”.

أمّا محمّد فكان شاباً متأثّراً للغاية بسياسة معارضة النّظام السوري، وأصيب أثناء الصلاة في مسجد التقوى، قائلاً: “كنت مقتنعاً بأنّ النّظام ظالم بحقّ المدينة، وتأكّدت بعد التفجيريْن وسقوط الشيخ سالم الرافعي حينها جريحاً من قوّة الضربة، لكنّني لا أصلي في التقوى حالياً ليس خوفًا، بل أشعر بالإرهاق عند رؤيته وتذكّر المشهد الأسود والأشلاء المحترقة والمتطايرة”.

ويُؤكّد حاج آخر أنّ زوجته وأولاده اعتقدوا أنّه كان يُصلّي في “السلام”، لكنّه بالصدفة توجّه إلى مسجد “الطارق”، فأصابتهم حالة من الجنون حين انقطعت الاتصالات “ولم يتمكّنوا من الوصول إليّ إلّا بعد مرور أكثر من ساعة ربما، وكنت في عداد الأحياء الحمد لله”.

القضاء اللبناني تابع هذه القضية واتّهم الاستخبارات السورية بالوقوف وراء التفجيريْن الارهابييْن اللذيْن نُفذا بتدبير سوريّ وتنفيذ محلّي، وصدر الحكم عن المجلس العدلي يوم 1/11/2019، وأثبت تورّط مجموعتيْن إحداها سورية خطّطت وأخرى لبنانية نفذت الجريمة، (مع ظهور آخرين في التحقيقات) كان تحدّث “لبنان الكبير” عن تفاصيلهما سابقاً (ذكرى تفجيري “التقوى” و”السلام”: هل يفلت “الطاغية” من العقاب؟).

المجموعة الأولى من الجهة السورية وضمّت نقيباً في المخابرات السورية وهو محمّد علي علي، مسؤولاً في الأمن السياسي في المخابرات وهو ناصر جوبان ومرافقاً له وهو خضر لطفي العيروني، والثانية مؤلّفة من 5 أشخاص خُصّصوا للتنفيذ: حيّان عبد الكريم رمضان والملقّب بـ “الشيخ” (المنسق الأساس للأعمال اللوجيستية والتنفيذية للجريمة)، أحمد مرعي (فجّر مسجد “التقوى” ومعه سلمان أسعد)، يوسف عبد الرّحمن دياب (نفذ عن بُعد وعبر جهاز تفجير مسجد “السلام”) ومعه خضر شدود.
وتمكّن حيّان، مرعي، شدود وأسعد من مغادرة لبنان والتوجّه إلى المخابرات السورية، وألقت شعبة المعلومات القبض على دياب في جبل محسن وحقّقت معه، والحكم كان وجاهياً بحقّه وهو عقوبة الإعدام، وكذلك اللبنانيون الأربعة الذين صدر بحقّهم حكم غيابي بالإعدام، والأمر عينه بالنسبة إلى السوريين الذين صدر حكم الإعدام بحقّهم غيابياً، مع مذكّرات توقيف غيابية، وإلقاء القبض مع الحكم الغيابي.

يُمكن القول، إنّ المدينة تدفع دائماً ثمن مواقفها السياسية، واللافت اليوم أنّ المساجد التي كانت تهتف لمناهضة النّظام السوريّ أمس، باتت تصرخ لنصرة غزّة اليوم، وذلك تسجيلاً لمواقفها وتكريساً لأحداث لم تكن المدينة بمنأى عنها إنسانياً وعقائدياً، “لكنّها غالباً ما كانت هدفاً لقوى الممانعة التي تعرف تماماً متى وكيف تُصيب المدينة بنكبة كبيرة تُحدث بصمة دموية لا تُنسى”.

من هنا، يعرب قياديّ حزبيّ سابق عن قلقه من وقوع حدث جلل في المدينة “بسبب تسجيل بعض القوى الدينية والسياسية فيها مواقف مناصرة لحركة حماس، ما قد يُؤدّي إلى ضربة صهيونية محتملة على بعض المكاتب الذي بات يُشكّل غطاءً سنّياً لحزب الله خصوصاً في حال تمدّد الحرب وتوسّع أهدافها، ما يعني أنّ فرصة تدمير طرابلس وإنهاكها تُعدّ خياراً مدعوماً من قوى الممانعة حتماً، بحجّة طريق القدس التي قد تُنسي النّاس ما اقترفته الممانعة في المدينة ورجالاتها”.

ويضيف لـ “لبنان الكبير”: “لن ننسى عملية قتلنا أو قتل السوريين الأبرياء في القصير، القلمون وحمص بحجّة التحرير ولن ننسى تراجع السياسيين عن هذا الملف مثل النّائب السابق خالد الضاهر الذي كان مستهدفاً حينها كما روّج مسبقاً، وبات اليوم مشجعاً لصفوف الممانعة التي حفظنا ألاعيبها”.

شارك المقال