لا شرق أوسط جديداً!

حسناء بو حرفوش
قصف الضاحية الجنوبية

على الرغم من التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، لا تدفع أي أسباب الى الاعتقاد بأن المنطقة ستشهد تحولاً دراماتيكياً أو أنها أصبحت أكثر أمناً أو استقراراً. ووفقاً لتحليل في موقع “ناشيونال إنترست” الأميركي، فكرة “الشرق الأوسط الجديد” لا تبرز للمرة الأولى ولطالما لاحت في الأفق. ففي العام 1982، تصور وزير الدفاع الاسرائيلي أرييل شارون نظاماً جديداً في الشرق الأوسط، يتضمن لبنان الخاضع لحكومة مارونية موالية للغرب ودولة فلسطينية في الأردن.

ووعد شيمون بيريز وتوم فريدمان بـ”شرق أوسط جديد” في أعقاب اتفاق أوسلو في العام 1993، حسب ما يذكّر المحلل ليون هادار. وفي هذا النموذج المتصور، يطلق الشباب الفلسطينيون والاسرائيليون شركات ناشئة عالية التقنية بدلاً من القتال.

وفي فترة أخرى، كان من المفترض أن ينشأ شرق أوسط ديموقراطي ومؤيد للولايات المتحدة، بدءاً من العراق، بعد تدريبات الرئيس جورج بوش في “تغيير الأنظمة” و”تعزيز الديموقراطية” في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

تبع ذلك “الربيع العربي” في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والذي كان من المتوقع أن يشعل موجة من الثورات الليبرالية الديموقراطية في الشرق الأوسط بقيادة جميع مستخدمي منصة “فيسبوك” والشباب المجتمعين في ميدان التحرير.

وعادت فكرة الشرق الأوسط الجديد لتطفو على السطح عام 2020 مع تشكيل كتلة استراتيجية عربية إسرائيلية لاحتواء إيران. ومن هذا المنطلق، اعتقد البعض أن توجيه إسرائيل ضربة عسكرية الى إيران ووكلائها في الشرق الأوسط يثير الآمال في ولادة نظام جديد في المنطقة، مبني على “تحرر” لبنان من حرب “حزب الله” وإسرائيل وتقليص حجم إيران. وفي خطابه الأخير، وجه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو رسالة إلى الشعب الايراني، تصور فيها تغييراً للنظام في الشرق الأوسط.

وبطبيعة الحال، ليس هناك ما يمنع، حسب التقرير الغربي، من التطلع إلى المستقبل. ولكن المشكلة تكمن في ارتفاع توقعات الزعماء السياسيين على الرغم من أنها قد تكلف كثيراً. ومن هنا، أدت أحلام شارون الخيالية إلى حرب طويلة وكارثية في لبنان انتهت بجر إسرائيل إلى مستنقع. ثم جاءت الانتفاضة الفلسطينية في العام 1987. وأشعلت اتفاقية أوسلو في العام 1993 توقعات السلام التي لم تتحقق أبداً. وفي وقت لاحق، أعقبت المحاولة الفاشلة للرئيس بيل كلينتون لعملية سلام أخرى في إطار اتفاقات كامب ديفيد في عام 1999 الانتفاضة الثانية على الفور. وترأس شارون انسحاب إسرائيل من غزة في عام 2005.

وأثبتت حرب العراق أنها كارثة استراتيجية ذات أبعاد تاريخية، في حين تحول التدخل العسكري في أفغانستان إلى أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة. وأدت الحروب المتعاقبة إلى انهيار توازن القوى في الشرق الأوسط، ما سمح لإيران بالظهور في نهاية المطاف كقوة مهيمنة إقليمية، تقود مجموعة من الوكلاء.

ودفعت الخيالات حول تعزيز الديموقراطية في الشرق الأوسط في الولايات المتحدة إلى السعي لإطاحة القذافي في ليبيا. وتدهور الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة للحروب الأهلية، وحاول “داعش” السيطرة على بعض المناطق.

وبالعودة إلى القضية الفلسطينية، أثبتت محاولة نتنياهو تهميش المشكلة الفلسطينية أنها خطأ انفجر في وجه إسرائيل في 7 أكتوبر 2023. وسيكون من الخطأ تأطير أي عمليات إسرائيلية ضد إيران ووكلائها في خانة تدشين شرق أوسط جديد، لأن الحقيقة مغايرة، ومن غير المرجح أن تغير الانتكاسات الأخيرة التي تعرض لها “حزب الله” ميزان القوى في لبنان بسهولة.

ومن المؤكد أن إسرائيل ليست في وضع يسمح لها بـ “هزيمة” إيران، حيث أن أي تحرك انتقامي من جانب إسرائيل وأي هجوم على مراكز إيران النووية ومواقعها النفطية، من شأنه أن يؤدي بالتأكيد إلى انفجار عسكري إقليمي ستعلق فيه الولايات المتحدة في نهاية المطاف.

ولن يؤدي التدخل العسكري الأميركي إلا الى هجمات على المواقع العسكرية الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وستزداد العداوة تجاه كل من واشنطن وإسرائيل وستتعرقل جهود السلام أكثر بعد. ومن المرجح أن يؤدي التدخل العسكري الأميركي في حرب في الشرق الأوسط الى تسريع انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، وهذا أمر دقيق للغاية ولا يستبعد أنه هدف أساسي لإيران”.

شارك المقال