بعد دخول صراع الظل بين إسرائيل وإيران مرحلة أكثر خطورة وتسريع هذه الأخيرة برنامجها النووي، يطرح التساؤل حول احتمال انسحاب طهران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وتزداد نسبة هذا الإحتمال، وفقاً للباحثين جيمي كوونغ ونيكول غرايفسكي من مركز “كارنيغي للسلام الدولي”، بحيث يلوح شبح الانسحاب في الأفق فوق منطقة الشرق الأوسط المتقلبة بالفعل.
وحسب تحليل كوونغ وغرايفسكي، “قد يصعد مثل هذا السيناريو الأزمة بصورة أكبر من خلال ضرب الجهود الرامية الى تقييد برنامج إيران، بينما تجد هذه الأخيرة فيه فرصة مهمة لخلق أزمة مصغرة من دون الالتزام بالتصعيد الكامل. كما يتيح التهديد بالانسحاب لطهران اختبار حدود الاستجابة الدولية مع تجنب العواقب الخطيرة المترتبة على التسلح. بالإضافة إلى ذلك، من شأن انسحاب إيران من معاهدة منع الانتشار النووي توجيه ضربة خطيرة لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية نفسها.
ويستدعي ذلك تدخل الولايات المتحدة وحلفائها، وبذل جهود للحد من مخاطر التصعيد. وهذا يعني أولاً، الحد من التوترات بين إيران وإسرائيل، وذلك من خلال ثني الأخيرة عن أي استهداف ضد المنشآت النووية الإيرانية والضغط على إيران لتبني تدابير موقتة لمنع التسلح النووي مع السعي إلى الحلول الديبلوماسية. ثانياً، إقناع إيران بأن التكاليف الديبلوماسية والأمنية المترتبة على الانسحاب أكبر من أي فوائد محتملة. وأخيراً، تطوير حوافز وعقوبات ديبلوماسية واقتصادية محددة لفترة الإخطار الحاسمة التي تبلغ ثلاثة أشهر في حال استشهدت إيران ببند الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي.
وفي ظل تراجع دور وكلاء إيران في الشرق الأوسط، ربما تدفعها نقاط الضعف التي ظهرت الى مراجعة عقيدتها النووية، والانتقال من المواقف العامة إلى مقترحات أكثر واقعية لتعزيز أمنها. وتجدر الاشارة إلى أن إيران استكشفت إمكان الانسحاب في الماضي، ولا سيما في عهد محمود أحمدي نجاد من عام 2005 إلى عام 2013 وبعد انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2018. وعلى الرغم من عدم تنفيذ تهديداتها مطلقاً، كانت هذه الحيل تكتيكية إلى حد كبير. واستخدمت التهديد بالانسحاب كوسيلة ضغط ديبلوماسية لمواجهة عقوبات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو الاحتجاج على الأحادية الأميركية.
ويبدو الخطاب في طهران اليوم مختلفاً تماماً، بحيث بلغت المخاطر أعلى مستوياتها: المصالح الأمنية الأوسع لإيران تنهار مع اقترابها من امتلاك الأسلحة النووية. والآن تتم مناقشة الانسحاب من المعاهدة والاستحواذ المحتمل على الأسلحة النووية بانتظام باعتبارهما خطوتين ضروريتين للأمن القومي الإيراني. ومع ذلك، أوضحت إيران أن الانسحاب لا يعني بالضرورة نيتها إنتاج أسلحة نووية أو تطويرها.
ولكن حتى لو لم يعنِ الانسحاب بناء القنبلة، يبقى بمثابة إلغاء واضح لالتزامات إيران ومن شأنه أن يعقد الأساس القانوني الذي فرض المجتمع الدولي على أساسه هذه الالتزامات. كما يعني الانسحاب على الأرجح نهاية تعاون إيران المتوتر بالفعل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي حال التعرض لمفتشي الوكالة، فهذا لا يعني إبعاد عيون المجتمع الدولي وآذانه عن برنامج طهران فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى زيادة مخاطر التصعيد بصورة كبيرة. وبغياب أي مؤشر موثوق به على حالة البرنامج، قد تفترض الدول أسوأ الاحتمالات بشأن الاجراءات الايرانية وتتخذ تدابير استباقية لإحباط ما قد تفسره على أنه اندفاع إيراني نحو القنبلة.
وعلى الأمد البعيد، قد يكون انسحاب إيران بمثابة خطوة حاسمة في نهاية المطاف، بحيث قد يحفز سلسلة من الانسحابات، ما يقوّض نظام منع الانتشار بصورة أساسية ويهدد السلام والأمن الدوليين.
وقد تنظر طهران أيضاً إلى الانسحاب باعتباره تصعيداً، وتضعه في إطار التدابير الدفاعية والاستجابة المشروعة للانتهاكات المزعومة لحقوقها بموجب المادة الرابعة، التي تضمن الوصول إلى الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. كما قد تزعم طهران أن الدول الأخرى الأعضاء في المعاهدة فشلت في حماية حقها السيادي في تطوير التكنولوجيا النووية السلمية. وعلى المدى الطويل، قد تدفع دورة الانتقام بين إسرائيل وإيران هذه الأخيرة الى إعادة تقييم قيمة المعاهدة بالكامل على اعتبار أنها عائق أكثر مما هي ميزة للردع”.


