في بلد تجمعه الأضداد منذ نشأته، ليس غريباً أن تدخل إلى منطقة في عزّ الحرب القائمة لتجد شوارعها ومقاهيها تضج بالحياة، ونحن لا نتحدّث عن مناطق بعيدة عن الأماكن التي يستهدفها بصورة يومية العدو الاسرائيلي، فهي تبعد عنها مجرّد نصف ساعة كحدٍ أقصى.
عدد كبير من النازحين من القرى الجنوبية توجه بداية إلى مدينة بيروت وتوزع على شوارعها في الشقق المستأجرة والأوتيلات قبل افتتاح مراكز الايواء.
حركة وأعداد كبيرة من النازحين اصطحبت معها نسخة محدّثة من الحياة في الحرب يجب مجاراتها ومواكبتها خصوصاً من أصحاب المصالح والمتاجر التي صارت توفر ما يحتاجه النازح الذي ترك بيته على عجل، بالاضافة إلى ازدياد الطلب على المطاعم والطعام الجاهز، حتى المقاهي للترويح عن النفس، فوجد بعض التجار فرصة للإستثمار ولتوسيع متاجره وتجديدها.
“اللي بده يستثمر يستثمر بالحرب”
يخبرنا الشاب الثلاثيني عن تجربته في الحرب، فهو قرر أن يفتتح مقهى في أحد شوارع الحمرا، انطلاقاً من مما قاله له أحد التجّار: “اللي بده يستثمر، يستثمر بالحرب”.
فلم يأخذه التفكير طويلاً حتى بدأ بالبحث عن المكان المناسب لافتتاح مشروعه الصغير، وبحسب الدراسة التي قام بها، يقول لموقع “لبنان الكبير”، “المشروع سينجح بسبب الكثافة السكانية، فالكل يبحث عن مكان ليحتسي فيه فنجان قهوة، وليدخن نفس أركيلة”.
ويضيف: “استأجرت المحل الذي كان مغلقاً وحوّلته إلى مكان يلتقي فيه الجميع من كلّ المناطق والقرى التي تركها سكانها”، وهو جانب آخر شجّعه على القيام بالمشروع.
“العالم بدها تغسل”
في أحد أزقة الحمرا القديمة، يقف محمد إلى جانب آلة غسيل ضخمة، لا يخفي انهماكه بالعمل وهو يتحدّث لموقع “لبنان الكبير”، قائلاً: “قررنا أن نفتح مصبغة في شارع الحمرا لعدّة أسباب، منها، أن معظم العوائل التي نزحت، يسكن في أماكن ليس فيها مكان لغسل ملابسه، مثل الشقق الصغيرة والأوتيلات”. ويؤكد “كان هناك منذ اليوم الأوّل إقبال جيّد من الناس، حتى أننا بدأنا بإستقبال الزبائن قبل الانتهاء من الديكور بصورة كاملة”.
أمّا عن الأسعار، فيوضح أن “هذا الموضوع درسناه جيداً، ليكون بمتناول الجميع، خصوصاً أن الفئة التي نستهدفها هي من النازحين الذين أصبحوا بمعظمهم من دون مورد مادي ثابت، فكيلو الغسيل بـ 200 ألف فقط، أي حوالي دولارين”.
“كنا بدنا نسكّر وصارت الحرب”
صاحب أحد الفنادق يقول لموقع “لبنان الكبير”: “البلد كان الو سنة بالحرب قبل ما العالم تنزح، وبطبيعة الحال، تأثرت أشغالنا، فأصبحت مصاريفنا تفوق المردود، عندها قررت أن أغلق الفندق ريثما تتحسن الأحوال”. وعندما بدأ التصعيد العسكري المفاجئ والذي لم يكن من المتوقع أن يصبح بهذه السرّعة، مئات العوائل توجهت إلى الحمرا وتحديداً إلى الفنادق بحثاً عن مأوى، يضيف، “وقصد عدد كبير من هذه الأسر والأقارب فندقي، وتمكنا من استقبال معظمهم، الفندق اليوم Full، حتى أننا لم نقم برفع الأسعار كما فعل الكثيرون إستغلالاً لحاجة الناس”.
“الناس بدها لقمة طيبة”
عشرات المطاعم في شارع الحمرا يملؤها الزبائن، “ساندويش شاورما رايح، بطاطا جاي، وأكثر شي ماشي السندويشات السريعة”، هكذا يقول أبو محمود لموقع “لبنان الكبير”، وهو موظف في أحد المطاعم. مجموعة من الأشخاص تقف أمام المطعم بإنتظار سندويشاتهم ليأكلوها وقوفاً وعلى عجل. ويضيف: “منوصل لمحل ما منلحّق، خصوصاً أن أسعارنا مقبولة جداً، والسندويش بيشبّع”. ويذكر بأن حركة البيع في السابق كانت لا بأس بها، إلاّ أنها في الوقت الحالي أصبحت جيّدة جداً، “والناس بدها لقمة طيبة”.
ثياب مستعملة
“الناس بدها تلبس”، ومعظمهم خرج من بيته ببدل واحد أي بالثياب التي كان يرتديها، وقبل إشتداد القصف على الضاحية الجنوبية، نقل محمد متجره الذي كان يبيع فيه ملابس مستعملة إلى جانب مكان إقامته الجديد، فهو نازح أيضاً ويريد أن يؤمن لقمة عيشه بالحلال على حدّ تعبيره.
تبدأ الأسعار في متجر محمد من 100 ألف وصولاً إلى 300 ألف فقط، مراعاة للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي طالت الجميع.


